أنت هنا: الرئيسية موضوعــات حقوقيــة أبحاث ودراسات و أوراق عمل أوراق عمل المؤتمر الوطني الاول لحقوق الانسان1

أوراق عمل المؤتمر الوطني الاول لحقوق الانسان1

عـرض تمهيدي حـول
التقرير الوطني لحقوق الإنسان


إعداد وصياغة
أ. مناف الصلاحي د. عبد القادر البناء
فريق إعداد التقرير
د. نفيسة الجائفي
أ. زهوان الأثوري د. يحيى الخزان
أ. هدى عون


المقدِّمةُ :
التقرير الوطني لحقوق الإنسان هو أحد أدوات التغيير وإعادة البناء لمنهجية ولآليات عمل وزارة حقوق الإنسان، التي شرعت منذ عام تقريبا بتبني رؤية جديدة للعمل، من شأنها أن تعيد الاعتبار للدور المناط بمؤسسات الدولة في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان.
فالتقرير الوطني (الذي تطمح الوزارة أن يتواصل إصداره كل عام بدءاً من عام 2013م)، سيغدو مادة محورية لمناقشات المؤتمر الوطني السنوي لحقوق الإنسان، وسيتحولان معا إلى أداتين هامتين للمتابعة والوقوف الجدي أمام أوضاع حقوق الإنسان في اليمن، على نحو يكفل :
• عرض معلومات حقيقية موثقة وشاملة عن أوضاع حقوق الإنسان لعام كامل، متضمنة الاستعراض الشامل للتدابير التي اتخذت لمواءمة القوانين والسياسات الوطنية مع أحكام معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي تعد اليمن طرفا فيها، ورصد التقدم المحرز في تعزيز التمتع بحقوق الإنسان المبينة في المعاهدات.
• إرساء قواعد الحوار والتعاون بين مختلف الهيئات والأطراف المعنية بحقوق الإنسان، بإشراك الأطراف ذات العلاقة على اختلاف توجهاتها ، بمن فيهم المجتمع المدني وذوي الاختصاص والأكاديميين، في المناقشة وإبداء الرأي والمقترحات حول التقييم الحكومي لأوضاع حقوق الإنسان، وحول المشاكل وأوجه القصور في النهج المتبع بشأن حماية وتعزيز الحقوق إضافة إلى تنفيذ المعاهدات.
• إتاحة الفرصة لممثلي الجهات الحكومية المعنية بالانتهاكات الموثقة خلال العام، وبتقديم المنتهكين للمساءلة عن أفعالهم وإهمالهم، والمعنية بمتابعة وفاء اليمن بالتزاماتها للمواثيق الدولية ولتوصيات اللجان الدولية المختصة، لعرض التقدم المحرز والاطلاع المباشر على آراء وتقييمات وتوصيات الأطراف الأخرى ذات العلاقة.
• الوصول إلى استخلاصات وتوصيات محددة ومدروسة يمكنها أن تشكل مادة واقعية تسترشد بها الجهات المعنية بحماية حقوق الإنسان وبإعداد التقارير الدورية المطلوب من اليمن تقديمها للجهات الدولية والمعنية بتخطيط السياسات المطلوبة في هذا الشأن.
لقد تم إعداد الموجز التمهيدي والتعريفي بالتقرير الوطني القادم وتم التحضير لانعقاد مؤتمرنا هذا في وقت تحث فيه وزارة حقوق الإنسان خطاها نحو إرساء فهم جديد للأهداف والمهام الموكلة لها، فهم يهيئها لاكتساب خبرات ومهارات الممارسة الخلاقة للأدوار المنوطة بها، كما يكسبها مصداقية حقيقية في التزاماتها تجاه كل من هم في حاجة إلى حماية وتعزيز حقوقهم وتجاه مختلف المؤسسات الوطنية والدولية ذات العلاقة. و يتم ذلك والوزارة تواصل جهودها لاستكمال متطلبات التعجيل بإنشاء هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، ذات أهلية كاملة لتجسيد مبدأي الاستقلالية والمساءلة والقيام بالمهام والاختصاصات المحددة لها ضمن مبادئ باريس، فالتعجيل بانجاز عمل كهذا أضحى تحديا يمكن من خلاله قياس مدى جدية ومصداقية تعامل الجهات الحكومية مع قضايا حقوق الإنسان ومع الالتزامات التي تقطعها الدولة على نفسها.
لقد أكدت خبرة سنوات طويلة من تعاطي الدولة اليمنية مع قضايا حقوق الإنسان، (وبالذات منذ تأسيس الوزارة)، أن الاعتماد على كيانات وطنية لحقوق الإنسان تفتقد الاستقلالية اللازمة والأشكال الفعالة لمساءلتها، يحولها إلى أشكال جوفاء غير مؤهلة لممارسة أدوار حقيقية في مجالي التعزيز والحماية لحقوق الإنسان، ناهيك عن قدرتها على المساهمة في ترسيخ الأسس الديمقراطية لبناء وإصلاح دولة القانون بمؤسساتها المختلفة. فما مارسته الوزارة فعلا خلال تلك الفترات هو الدور التبريري للانتهاكات الجسيمة والواسعة التي ترتكبها أو تتساهل إزاءها السلطات، والتستر عن الممارسات القمعية واللاديمقراطية للنظام، والحرص المتواصل على تلميع صورة السلطات على الصعيد الدولي بغض النظر عما تمارسه فعليا في الواقع. فبهذه الأعمال التجميلية والترقيعية للنظام، واعتمادا على شعارات زائفة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تمكنت مثل تلك المؤسسات من أداء دورها المكمل في حماية وتعزيز نظام حكم ديكتاتوري فرض سيطرته المطلقة عبر الأجهزة القمعية الأمنية والعسكرية والفساد السياسي والعبث بموارد الدولة لشراء الو لاءات بمختلف هوياتها. لكن تراكم المعاناة الناجمة عن تلك الممارسات طوال عقود، كان لابد وأن يقود إلى ابتداع وسائل جذرية بديلة لمقاومة التسلط ومحاولة اللجوء إلى الطريق الثوري للتغيير والانتقال صوب الديمقراطية.
لذلك يصبح من الضروري استغلال الأفق الذي فتحته ظروف ما بعد الثورة والاستفادة من بعض المكتسبات التي تحققت بفضلها، لإعادة النظر كليا في مفهوم وطبيعة الدور الذي ينبغي أن تلعبه المؤسسات الحكومية والمستقلة في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان وكذلك في مجال المساهمة في عملية التحول التي تخطوها البلاد صوب الديمقراطية. وإعادة النظر هذه لابد من ارتكازها على رؤية تعتبر جميع مؤسسات الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) معنية ومساءلة عن دورها المباشر في حماية وتعزيز الحقوق والحريات، وهو الدور الطبيعي للمؤسسات التي تحترم إرادة شعوبها وتخضع لمساءلتها، فلا تظل تنتظر بالضرورة الرقيب الخارجي أو الآلية الدولية لتذكيرها وتحفيزها أو إلزامها باتخاذ تدابير التعزيز والحماية اللازمة لحقوق وحريات مواطنيها.
ولا بد للدولة - وفقا لظروفها - أن تواصل اختيار الشكل التنسيقي والإشرافي الأمثل لتكامل وانسيابية أداء جميع مؤسساتها المعنية بشكل مباشر أو غير مباشر بحقوق الإنسان، كما أن عليها اعتماد آليات شفافة لمساءلة مؤسساتها وأجهزتها على النحو الذي يؤمن أداء فعالا لها ويؤمن وفاء كاملا للالتزامات التي تفرضها التشريعات المحلية والاتفاقيات والعهود الدولية. وبغض النظر عن المسمى والصلاحيات التي تقرها الدولة لهيئتها الأعلى المعنية بتنسيق ومتابعة أدوار مؤسساتها المختلفة في مجال تعزيز وحماية الحقوق والحريات (وزارة، مجلس، لجنة، إدارة أو غيره)، تظهر الخبرة الدولية المعاصرة للكثير من الدول التي حققت نجاحات ملموسة في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان، الحاجة الماسة إلى المؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان، الحائزة على صلاحيات تشريعية واضحة في مجال تعزيز وحماية حقوق الإنسان والعاملة باستقلالية مالية وإدارية كاملة عن سلطات الدولة، وفقا لمبادئ باريس. فهذه الكيانات تحديداً هي الأكثر فاعلية ونجاحا في إرساء أسس حقوق الإنسان ضمن التشريعات الوطنية واحترامها في الممارسة العملية، وهي الأداة الأكثر ضمانا لنجاح الدولة في الوفاء بالتزاماتها تجاه حقوق الإنسان، كما أنها الأجدر على تيسير سبل الحوار والشراكة بين مختلف الأطراف ذات العلاقة : الحكومية والخاصة والمجتمع المدني، للتعاون وتكامل أدوارها في حماية وتعزيز حقوق الإنسان.
وانطلاقا من هذه الرؤية فإن التقرير الوطني الأول لحقوق الإنسان، الذي بدأ الإعداد له بهذا العرض الإيضاحي لمنهجيته وبنيته، سيشتمل إلى جانب المقدمة والمنهجية على ثلاثة أقسام هي :
الأول : ستُقدم فيه خلاصة تقييمية لما جرى رصده طوال العام من انتهاكات لحقوق الإنسان، ولأدوار ومواقف الجهات المعنية بحماية وتعزيز تلك الحقوق.
الثاني : سيُستعرض ويقيم فيه ما اتخذته الجهات المعنية في سلطات الدولة الثلاث من إجراءات عملية للوفاء بتعهدات اليمن لتنفيذ نصوص المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، و الوفاء بما تتضمنه توصيات اللجان الدولية المختصة من مطالبات.
الثالث : سيحوي التوصيات المستخلصة مما وصلت إليه التقييمات في قسمي التقرير الرئيسيين ، وهي التوصيات التي سيجري إغناؤها بمقترحات وإضافات المشاركين في المؤتمر الوطني لحقوق الإنسان، لتتحول إلى توصيات المؤتمر والى مادة محورية لتقارير الاستعراض الدوري الشامل والتقارير الدورية المقدمة للجان الدولية المختصة.
المصادر الأساسية للمعلومات اللازمة لإعداد التقرير :
• سيكون المصدر الرئيس لمعلومات التقرير هو الجهات الحكومية ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بوقائع الانتهاكات التي تظهر خلال العام وبحماية الضحايا من التعرض لها، وكذا الجهات المعنية باتخاذ إجراءات عملية للوفاء بالتزامات اليمن المنصوص عليها في المواثيق الدولية المصادق عليها. وستسعى الوزارة إلى تبني آلية تنسق وتواصل مع تلك الجهات تجعلها معنية ومساءلة عن توفير معلومات وإجابات محددة عن المهام والانتهاكات المتعلقة بها.
• سيتولى فريق متخصص في وزارة حقوق الإنسان مهام الرصد والتوثيق للمعلومات المكملة والموثوقة اللازمة للتقرير، باستقائها من مصادرها الأخرى وبالذات منظمات المجتمع المدني والضحايا والشهود، إضافة إلى مهمة التدقيق والتحقق من مدى كفاية ومصداقية المعلومات المقدمة من الجهات الحكومية المعنية.
• ستكون تقارير المنظمات الحقوقية المتخصصة، المحلية والإقليمية والدولية، أحد مصادر معلومات التقرير في الجوانب ذات الصلة بموضوعاته.

بنية ومضمون القسم الثاني من التقرير الوطني الأول :
1- المؤسسة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان :
شكل موضوع إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وفقا لمبادئ باريس، مطلبا مستمرا تضمنته توصيات أربع لجان دولية، كان آخرها اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية عام 2012م، إضافة إلى توصيات الاستعراض الدوري الشامل عام 2010م. وخلال هذا العام كانت وزارة حقوق الإنسان قد بادرت باتخاذ العديد من الخطوات الإجرائية الممهدة لإنشاء هيئة وطنية مستقلة، ولإعداد مسودة مشروع قانون بذلك بتنسيق وتشاور مع منظمات المجتمع المدني، كما أن مجلس الوزراء تابع هذا الشأن وكلف لجنة لاستكمال إعداد مشروع القانون، وإخضاعه لمناقشات عامة وجمع الملاحظات والمقترحات لإغنائه، ولا يزال المشروع قيد التداول والنقاش. ومن المتوقع أن تتواصل وتستكمل إجراءات تشكيل الهيئة خلال بضعة أشهر.لذلك فالتقرير الوطني القادم لابد من أن يحوي عرضا وتقييما لخطوات الإنجاز المرتقبة ولمدى توافقها مع متطلبات ومعايير نشوء الهيئات المستقلة وفقا لمبادئ باريس، مع ضرورة التعرض للمعوقات التي قد تكبح أو تؤجل عملية الإنشاء وتحديد الجهات المتسببة في ذلك.
2– القانون رقم( 1 ) لسنة 2012م، بشأن منح حصانة من الملاحقة القانونية والقضائية :
منح القانون حصانة تامة وشاملة من الملاحقة القانونية و القضائية للرئيس السابق علي صالح، كما منح من عملوا معه في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية حصانة من الملاحقة الجنائية فيما يتصل بأعمال ذات دوافع سياسية قاموا بها أثناء أدائهم لمهامهم الرسمية. وقد قوبل القانون باحتجاجات محلية واسعة من أطراف حقوقية وسياسية واجتماعية عديدة، كما ترتب عن صدوره احتجاجات قوية من قبل الهيئات المعنية في الأمم المتحدة ، التي طالبت بإلغائه باعتباره متنافيا مع القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يمنع الحصانة لمن هم مسئولين عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فهو يكرس مناخا للإفلات من العقاب ويحول دون مقاضاة أفراد يمكن أن يكونوا مسئولين مسئولية جنائية عن جرائم دولية، بما في ذلك جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم إبادة جماعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما يحول دون تمكين ضحايا الانتهاكات من رؤية الجناة يحاسبون، فقد يحول دون تمكين ضحايا جرائم كالتعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري من أن يلتمسوا العدالة والحقيقة والإنصاف.
لكن الجهات المؤثرة في العملية السياسية وفي إدارة شئون البلاد، إضافة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين أظهروا استعدادا للتعامل مع القانون كأمر واقع تقتضيه التسوية السياسية المحكومة بالمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وبقرار مجلس الأمن الدولي 2014م، واعتمدت حجة هؤلاء التبريرية للقبول بالقانون على ما قادت إليه التسوية من تجنيب البلاد مخاطر الدخول في دائرة العنف والحروب الداخلية، التي كان من المرجح كثيرا اندلاعها إذا لم تقبل التسوية على أساس المبادرة الخليجية، كما رأوا أن قانونا معادلا لهذا القانون، تحت اسم "قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية"، يمكنه أن يؤمن للضحايا وللمجتمع الحقوق والمزايا التي سلبها قانون الحصانة. وفي نفس الوقت يجري الاعتراض من قبل أطراف أخرى على إيجابيات هذه الحجة. فهؤلاء يرون أن إيجابيات التسوية لم تظهر فعليا على أرض الواقع، لعدم ارتباط منح الحصانة للرئيس ومن سيستفيدون إلى جانبه من القانون بحرمانهم من ممارسة حق العمل السياسي والخدمة في مؤسسات الدولة، خاصة في الجيش والأمن والقضاء، فاحتفاظهم بحق كهذا - كما تظهر التجربة اليوم – سيظل يهدد بتعطيل وإفشال عملية النقل السلمي للسلطة وسيبقي مسار التحول الديمقراطي رتيبا و محفوفا بالمخاطر.
وعلى ذلك فان تداعيات هذه القضية والانعكاسات المترتبة عنها سلبا أو إيجابا ينبغي أن تجد تقييما موضوعيا لها في التقرير الوطني القادم، بالاعتماد على ما يكفي من المعلومات والوقائع الموثقة التي سيفرزها مسار التحولات المرتقبة.
3– انتهاكات حقوق الإنسان خلال أحداث عام 2011م :
كانت توصيات اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية أثر مناقشة تقرير بلادنا في مارس 2012م، قد طالبت بفتح تحقيق مستقل وشفاف وفقاً للمعايير الدولية حول الادعاءات ضد جهات يشترك فيها أعضاء الضبط القضائي وقوات الأمن في قتل المدنيين والاستخدام المفرط للقوة والاعتقال التعسفي، بما في ذلك الاختفاء القسري، التعذيب وغيرها من أنواع سوء المعاملة، سواء فيما يتعلق باضطرابات عام 2011م، أم التوترات في الجنوب والصراع في الشمال ومحاربة القاعدة في أقاليم الدولة الطرف، و أشارت التوصيات أنه على الدولة الطرف الشروع في إجراءات جنائية ضد المرتكبين المزعومين لتلك الأعمال ومعاقبة المسئولين عن ذلك وتقديم تعويضات كافية للضحايا.
أما مجلس حقوق الإنسان فقد أبدى في قراريه (18/19) و (19/29)، قلقاً واضحاً إزاء تردي أوضاع حقوق الإنسان في اليمن، وأوصى بإنشاء لجنة تحقيق وطنية مستقلة تتوافق مع المعايير الدولية لتقوم بتحقيقات ذات مصداقية وحيادية حول الانتهاكات الخطيرة في الماضي وإطلاق سراح جميع الأشخاص المحتجزين بصورة تعسفية. وطلب المجلس من المفوض السامي لحقوق الإنسان تقديم تقرير مرحلي حول أوضاع حقوق الإنسان في اليمن ومتابعة القرارين المذكورين، وجاء تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان عن وضع حقوق الإنسان في اليمن (يناير - يونيو 2012م)، ليعبر عن المخاوف من أن التحقيقات في انتهاكات الماضي ظلت انتقائية وتفتقر إلى المصداقية، وان الحكومة لم تتوصل لإجماع على مشروع مرسوم لإنشاء لجنة وطنية للتحقيق، كما طالب البدء بتحقيقات وطنية شفافة ومستقلة وفقا للمعايير الدولية.
كانت الحكومة قد التزمت بمعالجات تفضي لتجاوز آثار الانتهاكات الواسعة والخطيرة التي حدثت في عام 2011م، كما سعت مبكرا لتشكيل لجنة التحقيق المستقلة، وفي شهر يوليو 2012م، كان مشروع القانون بإنشاء لجنة تحقيق وطنية قد قدم لرئاسة الوزراء، وقد تأخر تشكيل هذه اللجنة بسب استمرار الخلافات السياسية بين الإطراف المعنية بالتسوية، لكن مجلس الوزراء أقر من حيث المبدأ تشكيلها، وفي 22 سبتمبر 2012م، صدر القرار الجمهوري رقم (140) بتشكيل اللجنة وفقاً للمعايير الدولية، وبقيت مهمة اختيار قوامها عالقة حتى اليوم، ويخاف بعض الحقوقيين من تأثر تشكيلها بمعايير المحاصّة السياسية بدلا من المعايير الدولية.
التداعيات والأسباب المعرقلة لحل هذه القضية ولتشكيل اللجنة وبدء ممارستها لمهامها، وما ستحققه خلال العام، وما يمكن أن تواجهه من صعاب وتعقيدات، هذه الأمور جميعها ينبغي أن يتعرض لها التقرير القادم بحيادية وموضوعية ترتكز على معلومات وبيانات من مصادر مختلفة تجمع وتوثق بمهنية ودقة عاليين.
4– التوصيات المتعلقة بحقوق المرأة :
أبرز ما جاء في التوصيات هو حث بلادنا على المساواة بين الرجل والمرأة واتخاذ اجراءات تشريعية وادارية للقضاء على التمييز ضد المرأة في القوانين وعلى الأرض، والعمل على زيادة مشاركتها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، واهتمت بالحقوق الصحية، والاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية للمرأة، والحد من العنف، والزواج المبكر، والزواج السياحي، والنظرة المجتمعية للمرأة، وتأهيل السجينات، وختان الإناث، الاغتصاب، وجرائم الشرف الخ...
لذلك فإن التقرير سيركز على تحليل أوضاع المرأة في كافة النواحي ومدى التمييز الواقع عليها وأسبابه، بما في ذلك جمع البيانات والإحصاءات والدراسات، وسيقف أمام الإجراءات الحكومية وغير الحكومية التي اتخذت من أجل تمكين المرأة وسيقيّم مدى فاعليتها وتأثيرها الإيجابي والسلبي على السواء، مما يعني أنه سيكون بالإمكان رصد مدى التقدم المحرز وتشخيص المشاكل والصعوبات واقتراح ووضع مقترحات للمعالجات والحلول للتغلب على التحديات، وبالتالي فسيكون مدخلاً لأي سياسات واستراتيجيات تُعد لهذا الغرض.
5– التوصيات المتعلقة بحقوق الطفل :
أكدت التوصيات على مواصلة تنفيذ التدابير الرامية إلى تعزيز حقوق الطفل وحمايتها، بما في ذلك حق التعليم والصحة، وتسجيل الولادات، ولاحظت اللجان التعاهدية وجود ثغرات قانونية، فيما يتعلق بسن الحدث وسن المسئولية الجنائية في القانون حيث لا ينسجم مع المعايير الدولية، ووجود أطفال معرضين للإعدام في السجون، وظاهرة الاتجار بالأطفال وﺗﻬريبهم، وزواج الأطفال، والعقوبات الجسدية...
وسيتم في هذا الصدد اتباع الاستراتيجية نفسها فيما يتعلق بتوصيات اللجان الدولية بخصوص المرأة، وسيتم التركيز على قضايا هامة – بالبحث والتحليل - تمثل في ذاتها أولويات يجب التحقق منها كالأطفال المحكوم عليهم بالإعدام، وتجنيد الأطفال والاتجار بهم الخ.
6– التوصيات المتعلقة بمكافحة الإرهاب :
ضمان تقيّد قوانين مكافحة الإرهاب بالمعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، واتخاذ جميع التدابير لضمان عدم إخلال جهود مكافحة الإرهاب في اليمن بالالتزامات في مجال حقوق الإنسان و تجميع بيانات بشأن تنفيذ تشريع أعمال الإرهاب وأثرها على التمتع بالحقوق بموجب العهد وتوضيح ما إذا كان جهاز الأمن السياسي والأمن القومي وإدارة مكافحة الإرهاب خاضعة لمراقبة السلطات المدنية وهل بوسع المدعي العام زيارة مراكز الاحتجاز والسجون العسكرية.والسماح بزيارة المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب.
وكما نلاحظ فإن التوصيات الدولية تؤكد أن مكافحة آفة الإرهاب لا يمكن أن تعني بأي حال من الأحوال إهدار القانون باسم الحفاظ على الأمن لذلك فإن التقرير سيتحقق من مدى التزام الجهات الأمنية والدفاعية بمنهج واضح يضمن احترام الحقوق في عملياتها في مكافحة الإرهاب، وسيتم جمع المعلومات و توثيق – ما أمكن – من الحالات و الحوادث ذات الصلة.
7– التوصيات المتعلقة بمناهضة التعذيب :
دعت التوصيات إلى اتخاذ الاجراءات والتدابير للحد من التعذيب في الواقع بما في ذلك، إدراج تعريف للتعذيب في القانون، والتحقيق في دعاوى التعذيب التي تنتهجها بعض الأجهزة الأمنية كالبحث الجنائي، والأمن السياسي، والأمن القومي، وتقديم المتهمين إلى المحاكمة، ومعاقبة وتأديب الجناة، وضمان عدم افلاتهم من العقاب، وتعويض وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، وإقامة برامج توعية وتدريب لهذه الأجهزة،وطلبت من بلادنا تقديم معلومات واحصاءات بشأن ذلك مصُنفة حسب الجنس – العمر – الانتماء الاثني للفرد – السلطة التي قامت بالتحقيق، القضائية..الخ، وطلبت النظر في التصديق على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
حيث سيكون التقرير معني بجمع المعلومات والبيانات عن حالات التعذيب من مختلف المصادر بما في ذلك الجهات الأمنية والقضائية، والضحايا والشهود، وأسرهم ومحاميهم والناشطين الحقوقيين، مما يسمح بتكوين صورة حول مدى انتشار التعذيب بناءً على تحليل مبني على الحقائق، وسيقيّم بالتالي الآلية المتبعة في مكافحة التعذيب من خلال تتبع شكاوى التعذيب، والتحقيقات التي اجريت فيها والمحاكمات والعقوبات والتعويضات والإجراءات الإصلاحية التي قامت بها الأجهزة المختصة الخ.
8– التوصيات المتعلقة بالتمييز العنصري :
حثت اللجان المنشأة بموجب معاهدات حقوق الإنسان بلادنا على اتخاذ اجراءات تشريعية وادارية وقضائية لمناهضة التمييز العنصري بما في ذلك، تبنى قانوناً شاملاً لمكافحة التمييز، وإدراج تعريف للتمييز العنصري في القانون، وتجريم ومعاقبة مرتكبي جرائم التمييز، وتقديم المعلومات والبيانات الإحصائية بشأن التكوين الديمغرافي للسكان بهدف تحديد الجماعات الأثنية ونوع التمييز التي تتعرض أو يمكن أن تتعرض له والتوصل إلى فهم أفضل في هذا الشأن. و تجميع بيانات إحصائية مصنٌفة عن جميع الدعاوى القضائية التي تتصل بحالات تنطوي على تمييز عنصري، كما طلبت من بلادنا أن تضع موضع التنفيذ إعلان وبرنامج عمل ديربان الذين اعتمدهما في سبتمبر 2001م، لدى تنفيذ الاتفاقية في إطار نظام القانون المحلي. وحثت بلادنا على النظر في سحب التحفظات على المادة رقم (5) (ج) و (د)، (4، 6، 7) من الاتفاقية والنظر في التصديق على المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان التي لم تصدق عليها بعد وبخاصة تلك التي تتصل مباشرةً بموضوع التمييز العنصري مثل الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم 1990م.
إن التقرير سيتتبع كافة القضايا التي أثارتها اللجان التعاهدية في توصياتها، وسيجمع المعلومات والبيانات بهذا الشأن، وسيركز بدرجة رئيسية حول الفئات المهمشة في المجتمع اليمني وفي مقدمتهم شريحة (الأخدام، أو الشرائح الأشد فقراً). واللاجئين والمعوقين...الخ. وسيتم تقييم مدى التمييز الواقع على هذه الفئات وأسبابه والثقافة السائدة في المجتمع المؤثرة في تكريس التمييز وتبريره أحياناً، ودور المؤسسات العامة والخطط والاستراتيجيات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وقياس فاعليتها للحد من التمييز.
9– التوصيات المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية :
أوصت اللجان التعاهدية بلادنا بمواصلة جهوده لزيادة تعزيز وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك الحق في التنمية، من أجل زيادة تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية واتخاذه خطوات ملموسة في هذا الصدد لخفض معدلي الفقر والبطالة و تخصيص مزيد من الموارد ﺑﻬدف زيادة ضمان تمتع السكان بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي لا غنى عنها، لاسيما الحق في الغذاء والحق في الرعاية الطبية والحق في العمل، ومكافحة والأمية، والضمان الاجتماعي، والأجور، والحق في انشاء النقابات، والإضراب، والمساواة بين الرجال والنساء...الخ.
سيحاول التقرير قياس مدى تمتع الإنسان اليمني بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال جمع البيانات والاحصاءات والمؤشرات الخاصة بحقوق الإنسان (الحكومية و الدولية)، ومراجعة الإجراءات الحكومية واستراتيجياتها وخططها الخمسية للتأكد من التقدم المحرز على الواقع.
الأدوار والمسئوليات :
ينبغي على جميع الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني تقديم معلومات كافية حول تنفيذ التوصيات التي تخصها مع عدم التركيز فقط على الحالة القانونية بل والحالة الفعلية بالدرجة الأساس، فيما يتعلق بتنفيذ أحكام المعاهدات والتوصيات الدولية فلا ينبغي الاقتصار على إيراد قوائم بالصكوك القانونية التي اعتُمدت في السنوات الأخيرة أو إيراد وصف لها، بل ينبغي أن تبين كيفية انعكاس هذه الصكوك القانونية في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وفي الأوضاع العامة للبلد.
و ينبغي أيضاً أن توفر ما يلزم من بيانات إحصائية، مفصلة بحسب الجنس، والسن، والفئة السكانية، وأن تشير إلى مصادر البيانات. مع تحليل هذه المعلومات في حدود صلتها بتنفيذ الالتزامات بموجب المعاهدات بما يتيح رصد التقدم المحرز في تعزيز التمتع بحقوق الإنسان المبينة في المعاهدات وذلك في سياق تعزيز حقوق الإنسان بشكل عام؛ وتحديد المشاكل وأوجه القصور في النهج الذي تتبعه الجهات بشأن تنفيذ التوصيات؛ والتخطيط لسياسات مناسبة ورسم هذه السياسات بغية تحقيق هذه الأهداف.


الاستخلاصات والنتائج :
1. إن الآلية الحكومية الحالية لتقييم حقوق الإنسان في اليمن تكاد تقتصر على تقديم تقارير دورية إلى اللجان المنشأة بموجب المعاهدات الدولية التي تشكل عنصراً أساسياً في التزام الدولة الطرف المستمر باحترام الحقوق المبينة في المعاهدات التي هي طرف فيها. بينما لا توجد تقارير رصد حكومية سنوية بصورة دورية لأوضاع حقوق الإنسان بمعنى أنه لا يتم على المستوى الوطني استعراض وتحليل الوضع القائم، بل أن التقييم الدوري يأتي من قبل الهيئات الدولية التي تدرس تقارير الدول وتحلله وتبحث في مصادر غير حكومية وطنية ودولية وتناقش الحكومة وتقدم توصياتها بناءً على الاستخلاصات والنتائج التي توصلت إليها.
2. بالتالي فإن تطوير آلية إعداد التقرير الوطني لحقوق الإنسان يجب أن يراعي توافر الاشتراطات اللازمة لضمان الاستمرارية والديمومة بحيث تكون التقارير سنوية، وكذلك الاحتياجات والموارد اللازمة لجمع المعلومات والاحصاءات والدراسات على مدار العام باعتبار ذلك جزء رئيس من عملية إعداد التقرير وغير ذلك من النشاطات التي ستؤدي في النهاية إلى رفع وتعزيز قدرات الجهات الحكومية بحيث تكون قادرة على الوفاء بالالتزامات اليمن لتقديم التقارير بشأن مستويات تنفيذ الاتفاقيات الدولية إلى اللجان التابعة للأمم المتحدة ، وسيتيح للوزارة أن تكون قادرة على متابعة تنفيذ التوصيات عن هذه اللجان في مدة زمنية معقولة.
3. تتيح الآلية الجديدة في إعداد التقرير القيام بجمع كل البيانات الإحصائية والبيانات الأخرى المتصلة بإعمال حقوق الإنسان(من الوزارات والمكاتب الإحصائية الحكومية المختصة)، وذلك بطريقة شاملة ومستمرة. وتشمل هذه المعلومات والإحصاءات التقارير التي تصدرها الجهات الحكومية بصورة سنوية أو دورية، متضمناً فيها بيانات عن أنشطتها، وكذا معلومات عن التدابير القضائية والقانونية، وكذا المراجعات القانونية ومشاريع القوانين المرفوعة للبرلمان أو قيد الدراسة، وغير ذلك من التدابير التنفيذية والإدارية، وكذا الدراسات القانونية والأبحاث.
4. إن القضايا التي أثارتها التوصيات الدولية سيتم بحثها باستفاضة في سياق التقرير الوطني مستقبلاً ولذا ينبغي النظر إلى هذا الالتزام ليس فقط بوصفه جانباً من جوانب الوفاء بالتزامات اليمن الدولية، ولكن أيضاً بوصفه فرصة لاستعراض وتقييم حالة حقوق الإنسان في اليمن بصورة دورية، وقراءة موضوعية للتحديات والمعوقات التي تعيق تنفيذ التوصيات الدولية بل والقوانين الوطنية على الواقع، وتؤثر سلباً على واقع إعمال حقوق الإنسان في اليمن.
5. تتيح عملية إعداد التقرير وفق المنهجية الجديدة بالتالي الفرصة للقيام بما يلي :
(أ)- إجراء استعراض شامل للتدابير التي اتخذتها لتنسيق قوانينها وسياساتها الوطنية مع أحكام معاهدات حقوق الإنسان الدولية ذات الصلة التي هي طرف فيها؛
(ب)- رصد التقدم المحرز في تعزيز التمتع بحقوق الإنسان المبينة في المعاهدات وذلك في سياق تعزيز حقوق الإنسان بشكل عام؛
(ج)- تحديد المشاكل وأوجه القصور في النهج الذي تتبعه بشأن تنفيذ المعاهدات؛
(د)- التخطيط لسياسات مناسبة ورسم هذه السياسات بغية تحقيق هذه الأهداف.


التوصيات :
1- حث وزارة حقوق الإنسان استكمال العمل على تطوير آلية إعداد التقرير الوطني لحقوق الإنسان يراعي فيها توافر الاشتراطات اللازمة لضمان الاستمرارية والديمومة بحيث تكون التقارير سنوية، وكذلك الاحتياجات والموارد اللازمة لجمع المعلومات والاحصاءات والدراسات على مدار العام.
2- ينبغي النظر إلى عملية إعداد التقرير الوطني ليس فقط بوصفه جانباً من جوانب الوفاء بالتزامات اليمن الدولية، ولكن أيضاً بوصفه فرصة لاستعراض وتقييم حالة حقوق الإنسان في اليمن بصورة دورية، وقراءة موضوعية للتحديات والمعوقات التي تعيق تنفيذ التوصيات الدولية بل والقوانين الوطنية على الواقع، وتؤثر سلباً على واقع إعمال حقوق الإنسان في اليمن.
3- حث الجهات الحكومية وغير الحكومية ذات العلاقة على التعاون مع الوزارة لدى إعداد التقرير الوطني من خلال توفير المعلومات والاحصاءات الدقيقة التي تطلب منها.
4- حث وزارة حقوق الإنسان على البحث على الموارد المالية لتمويل إعداد التقرير الوطني بما يضمن استمراريته وديمومته.

إنشـاء مؤسسة وطنية لحقـوق الإنسـان
الأهمية والتأسيس.. التوقعات والمأمول


إعــداد
د. حميد محمد علي اللهبي

 

المحتــويــات :
المقدِّمة.
المطلب الأول : ظهور مؤسسات حقوق الإنسان.
المطلب الثاني : أهمية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
المطلب الثالث : دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
المطلب الرابع : الدور القضائي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
المطلب الخامس : إنشاء وتشكيل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
المطلب السابع : علاقة المؤسسات الوطنية بالدولة وبالمجتمع المدني.
المطلب الثامن : المأمول والمتوقع من إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في اليمن.
الخـاتمـة.
النتائج.
التَّوصيات.
أهم المراجع.

 

المقدِّمةُ :
لقد كان لغياب القيم الدينية والأخلاقية وعدم تطبيق مبادئ الديمقراطية أثر في ظهور الأنظمة السياسية الاستبدادية, التي انتشر معها التسلط والقمع والاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي للشعوب, وحرمان الإنسان من حقوقه التي كفلتها له الديانات السماوية والمواثيق الدولية والقوانين الوطنية سواء في أوقات السلم أم في أوقات الصراعات, ومارست تلك الأنظمة على الإنسان أشكالا عدة من الظلم والانتهاكات الصارخة لحقوقه. وبظهور قيم الديمقراطية, ظهرت معها الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان وحمايتها, وأصبحت حقوق الإنسان قضية عالمية مؤطرة في إطار القانون الدولي وأصبح احترامها وحمايتها التزام دولي على عاتق الدول تفرضه منظمة الأمم المتحدة وتعاقب على مخالفته, وفي الوقت ذاته تقدم للدول المساعدات اللازمة التي تساعد الدول على القيام بهذا الواجب, بل إن احترام وحماية حقوق الإنسان أضحت قضية يقاس عليها مدى مدنية وديمقراطية وصلاح الأنظمة السياسية.
ولأن حماية واحترام حقوق الإنسان واجب في الأساس على عاتق الدول, فإن هذه الحماية لن تتوافر في أي دولة ما لم تشترك الدولة والمجتمع في توفيرها وتعزيزها, وأن الطريق الأمثل لتحقيق هذه الحماية لن يتأت إلا عبر مؤسسات وطنية تُنشئها الدولة ويشترك المجتمع بمختلف شرائحه في إدارتها وتنفيذ أهدافها وبرامجها الرامية إلى حماية وتعزيز حقوق الإنسان.
وقد جاءت مبادئ باريس التي صادقت عليها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عام 1992م, ووافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993م, لتضع الحد الأدنى من المعايير التي ينبغي أن تقوم عليها تلك المؤسسات, وبما لا يتعارض مع اختصاصات الأجهزة الأخرى في الدولة أو يؤدي إلى تدخل في اختصاصاتها أو يؤثر على سيادة واستقلال تلك الدول.
ورغم تخوف كثير من الدول من إنشاء مؤسسات حقوق الإنسان من أن تكشف الستار عن الانتهاكات غير الإنسانية التي تمارسها أجهزتها ضد حقوق المواطنين, وأن هذا سيوقع تلك الدول في دائرة المسئولية الدولية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان, فإنه في ظل ارتفاع نسبة الوعي المجتمعي بحقوق الإنسان, وفي ظل انتشار رقعة الديمقراطية وتقليص الأنظمة الشمولية, والطفرة العلمية في وسائل الاتصال والإعلام, فقد بات من الصعب على بعض الدول أن تخفي انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها أجهزتها أو جهة في المجتمع أو تتستر عليها, وبالتالي, لا خيار أمام تلك الأنظمة سوى أن تغير من سياساتها القمعية, وتحترم وتحمي حقوق الإنسان, وإما أن تستمر في غيها وانتهاكاتها وتسترها وتواجه المصير الذي ينتظرها أمام المجتمع الدولي, الذي لم يعد يقبل بمثل هذه الانتهاكات أو يسكت عنها, بل, وأوجد أدوات قانونية وأجهزة قضائية وغير قضائية لملاحقة منتهكي حقوق الإنسان ومحاسبتهم مهما كانت صفاتهم أو ألقابهم أو مناصبهم.
هذا بالإضافة إلى أن المجتمع ذاته لم يعد يقبل تلك الانتهاكات, وقد ازداد وعيا وإدراكا بحقوقه, وهو على استعداد لأن يضحي بالغالي والنفيس من أجل تمتعه بها واحترامها وحمايتها, وما حصل ويحصل في الوطن العربي من ثورات دليل على مستوى الوعي الذي يتمتع به المجتمع, وأنه قد تحرر من الظلم والقهر والاستبداد.
وإدراكا من الحكومة اليمنية ممثلة بوزارة حقوق الإنسان لمفاهيم حقوق الإنسان وللسياسة الدولية حيالها, وإدراكا منها أيضا لقضايا حقوق الإنسان في اليمن, واعترافا منها بعمق هذه المشكلة التي لم تلتفت إليها الحكومات اليمنية المتعاقبة, فقد حددت الخطوات الأساسية الأولى في الطريق الصحيح لمعالجة قضايا حقوق الإنسان في اليمن, حين بدأت الوزارة في التحرك باتجاه عقد الندوات وورش العمل والمؤتمرات واتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة من أجل حماية وتعزيز حقوق الإنسان في اليمن, والتي كان من أهمها: فتح مكتب للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في اليمن, وصدور قرار مجلس الوزراء رقم(138)لعام 2012م, بتشكيل لجنة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت عام 2011م, وصدور أمر مجلس الوزراء رقم (35) لعام 2012م, بشأن تشكيل لجنة لإعداد مشروع قانون لإنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان, كما أشركت الوزارة المجتمع المدني بكافة أطيافه في سائر أعمالها وفعالياتها واللجان والهيئات التي تشكلها, ومنها الهيئة الاستشارية للوزارة التي تشكلت من مختلف الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني.
ويسعى هذا البحث إلى توضيح أهمية ودور المؤسسات الوطنية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان, ويزيل تخوفات بعض الدول من هذه المؤسسات بسبب بعض الشبهات التي أثيرت حولها, من أن إنشائها يعد انتهاكا لسيادة الدولة بسبب علاقة هذه المؤسسات بالمجتمع الدولي, وتعدٍ على اختصاصات بعض أجهزة الدولة, وتعارض مع اختصاصات البعض الآخر, وأنها تتدخل في أعمال السلطة القضائية. كما يبين هذا البحث أيضا ما هو الدور المأمول والمتوقع من إنشاء هذه المؤسسات, وكيف يمكن توظيفها بما يخدم الدولة والمجتمع, إلى جانب دورها في حماية وتعزيز حقوق الإنسان. وقد ركز هذا البحث على العديد من القضايا والمسائل التي يدور حولها الجدل والنقاش عند العزم على إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان, والتي من أهمها: علاقة المؤسسات الوطنية بالدولة وبأجهزتها المختلفة, وعلاقتها بالسلطة القضائية, وعلاقتها بالمجتمع المدني وبالمنظمات الدولية, ومسألة تمويلها واستقلالها واستقلال أعضائها.
كل هذه المواضيع والمسائل وغيرها يتناولها هذا البحث في ثمانية مطالب, يخصص الأول للحديث عن ظهور مؤسسات حقوق الإنسان, والمطلب الثاني للحديث عن أهمية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, والمطلب الثالث للحديث عن دور المؤسسات الوطنية, والمطلب الرابع للحديث عن الدور القضائي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, ويتناول المطلب الخامس إنشاء وتشكيل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, ويبين المطلب السابع علاقة المؤسسات الوطنية بالدولة وبالمجتمع المدني, أما المطلب الثامن فيبين ما هو المأمول والمتوقع من إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في اليمن. ويختم بالنتائج والتوصيات.


المطلبُ الأولُ : ظهور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
بعد أن كانت المجتمعات والحكومات الغربية عموما في العصور الوسطى(عصور الظلام) في صدارة منتهكي حقوق الإنسان, وبعد أن كان الإنسان لا يتمتع بأهم حق من حقوقه وهو الحق في الحياة, تغيرت تلك النظرة والممارسات لدى تلك الحكومات والمجتمعات بعد القضاء على النظام (الكنسي) وظهور الديمقراطية, وأصبح الإنسان ينعم بحقوقه الأساسية. ونظرا لتنامي المجتمعات الديمقراطية وتوسيع نطاق المشاركة السياسية فيها, فقد برزت قضية حقوق الإنسان والاهتمام بها كأولوية من أولويات الديمقراطية, وأصبحت حماية وتعزيز حقوق الإنسان مقياسا لمستوى نضج المجتمعات والحكومات سياسيا واجتماعيا, بل, أصبحت سمة من سمات الديمقراطية.
في عام 1946م، دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة الدول الأعضاء إلى دراسة جدوى إنشاء هيئات وطنية تعنى بحقوق الإنسان بغض النظر عن المسمى, تعمل كأجهزة معلومات لمساعدة لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان, وفي عام 1960م، قرر المجلس الاقتصادي والاجتماعي أن يكون لهذه المؤسسات دورا أكثر فاعلية من كونها مجرد أجهزة معلومات لحقوق الإنسان لتكون أجهزة أكثر نشاطا في المشاركة والمتابعة الفاعلة لقضايا حقوق الإنسان .
ونظراً للتوسع الذي شهدته حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في إصدار العديد من الصكوك المتعلقة بحماية حقوق الإنسان, فقد ساعد ذلك المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان على ممارسة دور أكثر أهمية في هذا المجال, ومع ذلك فقد ظل دور تلك المؤسسات محدودا, ما أدى إلى الدعوة إلى عقد حلقة بحث حول تلك المؤسسات في جنيف عام 1978م, وأقرت تلك الحلقة أول مجموعة من المبادئ التوجيهية التي تحدد الاختصاصات العامة لتلك المؤسسات, حيث تقسم اختصاصات تلك المؤسسات إلى فئتين الأولى: تعمل على تعزيز حقوق الإنسان بشكل عام, والثانية: تتولى مراجعة السياسات الوطنية المتعلقة بالتشريعات والقرارات القضائية والإدارية, ورفع التقارير والتوصيات عنها إلى الدولة, إضافة إلى أن تكون تلك المؤسسات متاحة للجمهور للمشاركة فيها أو الاستعانة بها, وقد صادقت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والجمعية العامة على تلك المبادئ التوجيهية الأولى. وفي عام 1979م، أوصت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء باتخاذ الخطوات اللازمة لتهيئة وتحسين الظروف لإنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وفقا للمبادئ التوجيهية التي تم إقرارها في جنيف عام 1978م .
وخلال عقد الثمانينيات من القرن العشرين ظلت مسألة دعم وإنشاء مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان محور اهتمام وتركيز لجنة الأمم المتحدة واحتلت أهمية في جدول أعمال جلساتها السنوي, الأمر الذي تمخض عنه سلسلة من القرارات التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة من عام 1986م، حتى عام 1991م, وكلها تشدد على ضرورة إيلاء أهمية لهذه المسألة, وضمان تمويل المعونة الفنية, وأن تلعب منظمة الأمم المتحدة دورا محوريا في تقديم المساعدة اللازمة لتطوير المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان .
توجت كل تلك الجهود المبذولة من قبل منظمة الأمم المتحدة بانعقاد مؤتمر باريس في الفترة من 7-9 أكتوبر 1991م, والذي خرج بمجموعة من التوصيات والمبادئ التي أطلق عليها (مبادئ باريس), واعتمدتها لجنة حقوق الإنسان في مارس 1992م . وأصبحت هذه المبادئ هي الموجه والمرشد لأي بلد في العالم يعتزم إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان, وهذه المبادئ تمثل الحد الأدنى من متطلبات إنشاء تلك المؤسسات.
وخلال الفترة من 1948م حتى عام 1990م، لم تنشأ إلا القليل من المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التي كانت تجسد إلى حد كبير ما تم تضمينه بعد ذلك في مبادئ باريس, ولكن نظرا للدور الذي لعبته وتلعبه منظمة الأمم المتحدة في تقديم الدعم الفني والمساعدة التقنية, وتمكين المؤسسات الوطنية لحماية حقوق الإنسان من المشاركة وتمثيل نفسها في المحافل الدولية خلال التسعينيات, وبعد أن اعتمدت مبادئ باريس, فقد ازداد عدد تلك المؤسسات(), وأصبحت تمارس اختصاصات واسعة وتستند في إنشائها وفي عملها إلى مبادئ باريس .
وبالتالي يمكن القول أن إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, قد أخذ أطوارا وأشكالا عدة قبل مبادئ باريس, ونظرا للجهود التي تبذلها منظمة الأمم المتحدة والدعم الذي تقدمه لتلك المؤسسات في شتى المجالات, قبل وبعد اعتماد مبادئ باريس, فقد أصبحت تلك المؤسسات تؤدي دورا أكثر فاعلية في المجتمع, وتمارس صلاحيات واختصاصات واسعة, وأصبحت تعمل باستقلالية وحيادية عن سلطات الدولة, وصار بعضها ينشأ وفقا لنصوص دستورية, وهو ما يمكنها من ممارسة وتنفيذ المهام والاختصاصات التي أنشأت من أجلها, والرامية إلى حماية وتعزيز حقوق الإنسان.

المطلبُ الثَّاني : أهمية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
حيثما انعدم الوازع الإنساني والديني والأخلاقي, وحيث ما انعدمت قيم الديمقراطية, حل الظلم والتسلط والاستبداد, وظهر الفساد واستشرى, وانعدم معها احترام حقوق الإنسان, وقلت حمايتها.
وإن الحروب والصراعات السياسية المسلحة وغير المسلحة, تخلق مناخا مواتيا للأطراف المتحاربة أو المتصارعة لممارسة أبشع صور وأشكال انتهاكات حقوق الإنسان, ولذا, فقد كان لظهور القانون الدولي الإنساني أو ما يسمى بقانون الحرب أثره في الحد من تلك الانتهاكات, خاصة عندما يتم ملاحقة المنتهكين ومعاقبتهم. ومع ذلك تظل الحروب والصراعات السياسية أكثر المجالات التي تتم خلالها ممارسة أبشع انتهاكات حقوق الإنسان, عندما لا يهتم أي طرف في الحرب أو في الصراع السياسي سوى بكيفية إضعاف خصمه والقضاء عليه, ولا يهمه بعد ذلك إن كان الثمن هو حياة الإنسان وعرضه وماله وكرامته.
والملفت للنظر أن أغلب الدول التي تمارس فيها أبشع صور انتهاكات حقوق الإنسان هي دول تصنف أنها إما نامية أو أقل نموا, وإذا ما عرفنا أن هذين الصنفين من الدول النامية والأقل نموا كلها دول تعاني بشكل متفاوت الجهل والفقر, وتفشي الأمراض والأوبئة, ولا تطبيق فيها مبادئ الديمقراطية وسيادة القانون, وأنها تعاني استشراء الفساد في شتى المجالات, وعدم وجود أنظمة قانونية تراقب وتحاسب سلطات الدولة وأجهزتها المكلفة بإنفاذ القانون وبالتعامل مع المواطنين, وبالتالي, فإن مجتمعات تلك الدول تعاني من الظلم والاستبداد والقهر والقمع السياسي, وهو ما يجعلها تظل بؤرا للصراعات المسلحة والتوترات السياسية المستمرة, التي توفر مناخا مواتيا لانتهاكات حقوق الإنسان وتنعدم معها أي حماية لتلك الحقوق.
وكم ويلات جلبتها الحروب والصراعات السياسية على الشعوب, وكم من المآسي والمعاناة الإنسانية التي لقيها الكثيرون من البشر بسبب عدم احترام حقوق الإنسان, وبسبب عدم توفير وسائل الحماية القانونية والإجرائية والتنفيذية لتلك الحقوق. فما يلقاه ويعانيه بنو الإنسان في شتى بقاع الأرض من انتهاكات وجرائم, كالقتل المتعمد, والتعذيب, والإبادة الجماعية, والمعاملة التي تحط من كرامة الإنسان, وتهجير وتشريد السكان, والاختطاف والاعتقال والاختفاء القسري, والسجن, وأخذ الرهائن, وتوجيه الهجمات المسلحة ضد المدنيين وضد مواقع مدنية, كالمدن والقرى الآهلة بالسكان, والمباني والمساكن التي لا تمثل أهدافا عسكرية وإلحاق الأذى والضرر بساكنيها, وتدمير الممتلكات العامة والخاصة والاستيلاء عليها, وتدهور وانهيار كلي أو جزئي في البنى الأساسية للمجتمع, كلها أمور لم يعد من العدل السكوت عليها أو التغاضي عنها, خاصة عندما تكون الدولة أو بعض أجهزتها هي التي تقوم بهذه الممارسات غير الإنسانية, وعندما لا يكون هناك من يدافع عن تلك الحقوق ويطالب بحمايتها واحترامها ويتبنى الدفاع عنها في إطار البلد ذاته, وفي المحافل والجهات الدولية ذات العلاقة.
من هنا برزت أهمية إنشاء مؤسسات وطنية لحماية حقوق الإنسان في تلك الدول, لتعمل على حماية تلك الحقوق من ظلم وجور وتعسف سلطات الدولة أو أي جهات أخرى, وظهرت جهود منظمة الأمم المتحدة في تقديم العون والمساعدة لإنشاء مثل تلك المؤسسات, والضغط بوسائل عدة على الدول من أجل إنشائها, ومن أجل تخويلها صلاحيات وسلطات واسعة لممارسة مهامها باستقلال وحياد, لا أن تكون مجرد واجهات شكلية تُظهر الدولة ذات السجل التاريخي الأسود في مجال حقوق الإنسان بأنها قد أوفت بالتزاماتها تجاه المجتمع الدولي, وأسقطت عن كاهلها واجباً دولياً.
كما أن إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان يساعد بشكل مباشر على معالجة أوضاع حقوق الإنسان أثناء وبعد الحروب والصراعات السياسية في مجتمعات الصراع وما بعد الصراع, من خلال دعم وتشجيع إجراءات العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان وعدم إفلاتهم من العقاب من خلال رصد الانتهاكات التي تمت أثناء الصراع, وتشكيل لجان التحقيق وكشف الحقائق والمشاركة في عملية التعويضات وحبر الأضرار, وكذا في المساعدة على إنجاح عملية المصالحة الوطنية في تلك المجتمعات .
وباعتبار اليمن واحدة من الدول الأقل نموا في العالم, فإنها كمثيلاتها قد شهدت حروبا وصراعات سياسية عدة, خاصة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر, فمن أحداث يناير 1986م، في الجنوب, إلى ما عرف بأحداث التخريب في المناطق الوسطى وغيرها من المناطق الشمالية في سبعينيات القرن الماضي, إلى حرب 1994م, حتى أحداث ثورة فبراير2011م, وما صاحب كل تلك الأحداث ونتج عنها من انتهاكات وجرائم بشعة راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى والمشردين والمهجرين والمخفيين قسرياً, وممارسة أبشع صور التعذيب النفسي والجسدي. أضف إلى ذلك سائر الممارسات والانتهاكات التي تمت وتتم جراء عدم تمتع المواطنين بحقوقهم التي كفلها لهم الدستور والقانون والمواثيق الدولية وحرمانهم منها. وهو ما جعل ويجعل سجل اليمن حافلا بأنواع الانتهاكات ويؤكد على أن حماية حقوق الإنسان فيها لا زالت متدنية للغاية. ويحتم بالفعل ضرورة إنشاء ليس مؤسسة واحدة, بل, مؤسسات وطنية وحقوقية ومجتمعية تدافع عن حقوق الإنسان في اليمن وتحميها, وتعمل على نشر الوعي في أوساط المجتمع بمفاهيم تلك الحقوق.
أضف إلى ذلك أن إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في اليمن قد أصبح التزاما دوليا على عاتق الحكومة اليمنية بموجب قرارات وتوصيات مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان التابعين لمنظمة الأمم المتحدة التي تلزم الحكومة بضرورة إنشاء هذه المؤسسة. وبالطبع ليس الأمر مجرد اتخاذ الحكومة لقرار إنشاء المؤسسة وتعيين أعضائها ومن ثم جعلها مجرد إطار شكلي لا تتمتع بأي صلاحيات ولا تمارس أي اختصاصات, بل الأمر أبعد من ذلك, فقد نصت تلك القرارات والتوصيات بما لا يدع مجالا للتأويل أن على الحكومة اليمنية إنشاء هذه المؤسسة الوطنية وفقا لمبادئ باريس, وهو ما يعني إنشاء مؤسسة وطنية حقيقية باختصاصات وصلاحيات فعلية يجب أن لا تقل معاييرها عن المعايير التي نصت عليها مبادئ باريس.

المطلبُ الثَّالثُ : دور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
تتصف حقوق الإنسان بأنها عالمية وغير قابلة للتجزئة من حيث التمتع بها أو من حيث حماتها, إلا أن بعض مؤسسات حقوق الإنسان تركز في عملها على مجال معين من مجالات حقوق الإنسان رغم أنها لا تميز بينها جميعا, كالتركيز على مجال الحقوق المدنية والسياسية أو على مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية , وبعضها يركز على حقوق الإنسان في أوقات الصراعات وما بعد الصراعات, المهم أن كل مؤسسة تولي اهتماما للمجال الإنساني الذي يمثل حاجة ملحة بالنسبة لها - طبقا للوضع السائد في البلد الذي تعمل فيه - أكثر من غيره من المجالات الإنسانية الأخرى.
وتؤدي المؤسسات الوطنية دوراً رئيساً في حماية وتعزيز حقوق الإنسان, وغالبا لا تخرج عن الإطار العام الذي حددته مبادئ باريس والمتمثل في تعزيز حقوق الإنسان, وحماية حقوق الإنسان.
أولاً : دور المؤسسات الوطنية في تعزيز حقوق الإنسان
ويعني خلق ثقافة وطنية لحقوق الإنسان يزدهر فيها التسامح وتعزز فيها المساءلة والاحترام المتبادل لحقوق الإنسان . ولتحقيق معنى التعزيز, فقد نصت مبادئ باريس بأن على مؤسسات حقوق الإنسان أثناء عملها القيام بالآتي :
1- توعية الناس بحقوقهم الإنسانية, وباحترام حقوق الآخرين, وعقد الحلقات الدراسية والنقاشية وورش العمل المتعلقة بذلك.
2- زيادة الوعي العام بمفاهيم حقوق الإنسان, عبر كافة الوسائل المتاحة, بما في ذلك وسائل الإعلام والنشرات والمؤتمرات الصحفية والإعلامية.
3- المساعدة في صياغة مبادرات التعليم وتنفيذها, ووضع مناهج دراسية تعزز حقوق الإنسان ابتداءً من التعليم الابتدائي وحتى التعليم الجامعي, وذلك بالشراكة مع الجهات المعنية في الدولة.
4- نشر المعلومات عن حقوق الإنسان على نطاق واسع.
5- التدريب الذي يستهدف بعض الجهات المعنية مثل: المنظمات غير الحكومية, وأجهزة الشرطة والأمن, والقائمين على أمور السجون, والقوات المسلحة, والصحفيين والإعلاميين, والجهات القضائية.
ثانياً: دور المؤسسات الوطنية في حماية حقوق الإنسان
ويعني المساعدة في الكشف عن انتهاكات حقوق الإنسان, والتحقيق فيها, وتقديم المسئولين عن تلك الانتهاكات إلى العدالة, وتوفير سبل الإنصاف للضحايا , والعمل على منع الإفلات من العقاب.
وترتبط حماية حقوق الإنسان بالعديد من المسائل الهامة التي في مقدمتها, تطبيق سيادة القانون, وإقامة العدل وإنصاف الضحايا, ومنع الإفلات من العقاب, وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية، بما في ذلك نظام الشرطة والسجون, وإيجاد نُظم للمساءلة ولكيفية الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بإنفاذ القانون .
ومما يساعد المؤسسات الوطنية على حماية حقوق الإنسان, هو التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان, وإيجاد طرق ووسائل بديلة لحل المنازعات, والمساعدة في إنصاف الضحايا عبر المحاكم الوطنية وتشجيعها على تحقيق العدالة والإنصاف في هذا المجال. كما ينبغي أن تركز أنشطة تلك المؤسسات في مجال حماية حقوق الإنسان على منع التعذيب والاحتجاز والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري, وعلى حماية المدافعين عن حقوق الإنسان, وأن تعمل هذه المؤسسات على أن تكون بمثابة أجهزة رقابية على ممارسات السلطة التنفيذية وأي جهات أخرى ذات صلة.
كما أن هناك أدوارا أخرى لا تقل أهمية عن الدورين الرئيسيين المتمثلين في التعزيز والحماية, ينبغي أن تضطلع بها مؤسسات حقوق الإنسان منها :
1- تقديم المشورة للحكومة والبرلمان فيما يتصل بتعزيز وحماية حقوق الإنسان.
2- التعاون مع الجهات الوطنية ذات العلاقة, ومع منظمات المجتمع المدني, ومؤسسات حقوق الإنسان الوطنية, والمنظمات الدولية ذات العلاقة.
3- المساعدة على ربط حماية وتعزيز حقوق الإنسان بمبادرات التنمية من خلال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
4- المساهمة الفاعلة في تحقيق أسس ومبادئ وأهداف العدالة الانتقالية في فترات الصراع وما بعد الصراع في إطار العدالة الانتقالية.
5- إبداء الملاحظات وتقديم التوصيات حول القوانين النافذة أو مشاريع القوانين لضمان اتساقها مع القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
6- رصد الأوضاع المحلية لحقوق الإنسان, بما في ذلك (رصد أداء) الأجهزة الأمنية والشرطية والقضائية, لمعرفة مدى امتثالها لتطبيق المعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان.
7- تلقي الشكاوى والبلاغات حول انتهاكات حقوق الإنسان, وتقديم التوصيات بشأنها إلى المحاكم, أو إحالتها إلى النيابة العامة أو المحكمة متى انطوت تلك الشكاوى والبلاغات على انتهاكات جنائية.
8- أي أدوار أخرى تتطلبها ظروف البلد وأوضاع حقوق الإنسان فيه وينص عليها قانون إنشاء المؤسسة.
على أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن المؤسسات الوطنية ليس لها دور في أن تستفسر عن مسائل تتعلق بالقوات المسلحة أو الجهات الأمنية, أو عن ما يتعلق بالأمن القومي, أو ما يتعلق بالقرارات الحكومية المتعلقة بالعلاقات الدولية . غير أن هذا لا يعني السكوت أو التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان التي قد ترتكبها القوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية مثلا, حتى لا يؤدي ذلك إلى إضفاء نوع من الحصانة على أعمال هذه الجهات والأجهزة, ومن ثم مساعدتها على الإفلات من العقاب, وهذا أمر غير مقبول وغير وارد في مبادئ باريس, وفي إطار منظمة الأمم المتحدة عموما, التي لا تسمح بإفلات منتهكي حقوق الإنسان من العقاب مهما كانت صفاتهم أو ألقابهم أو طبيعة الأعمال التي يمارسونها.
المطلبُ الرَّابعُ : الدور القضائي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
تثير مسألة الدور القضائي أو شبه القضائي لمؤسسات حقوق الإنسان جدلا في الأوساط السياسية, حيث يعتقد البعض أن هذه المؤسسات تمارس دوراً رقابياً وإشرافياً على الدولة وعلى السلطة القضائية تحديدا, وأنها في بعض الأحيان تمارس دور القضاء فيما يتعلق بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان.
والذي أثار هذه المسألة حول مؤسسات حقوق الإنسان هو أن مبادئ باريس قد أعطت لهذه المؤسسات دورا لممارسة بعض السلطات لحماية حقوق الإنسان, وأن تتحمل مسئوليات" أية حالة لانتهاك حقوق الإنسان تقرر تناولها , وأن تمارس أيضا المسئوليات المتعلقة بـ" جميع الأحكام التشريعية والإدارية وكذلك الأحكام المتعلقة بتنظيم القضاء التي تهدف إلى المحافظة على حماية حقوق الإنسان . ومما زاد من تخوف بعض الدول من مؤسسات حقوق الإنسان هو أن مبادئ باريس أعطتها دورا شبه قضائي فيما يتعلق بلجان التحقيق التابعة لها, حيث تنص مبادئ باريس على أنه: " قد تخول المؤسسة الوطنية سلطة تلقي وبحث الشكاوى والالتماسات المتعلقة بحالات فردية, ويكون اللجوء إليها من جانب الأفراد, وممثليهم, أو الغير, أو منظمات غير حكومية, أو جمعيات أو نقابات أو غيرها من الهيئات .
والحقيقة أن مبادئ باريس ليست على قدر من الوضوح المزيل للبس حول هذه المسائل, فمن جانب, فقد أرادت أن يكون للمؤسسات الوطنية دورا فعالا ومباشرا في حماية وتعزيز حقوق الإنسان, ومن جانب أخر, أرادت أن تراعي خصوصيات الدول وعدم التدخل في شئونها وفي المسائل المتعلقة بسيادتها, وأن لا تكون تلك المؤسسات بديلا عن القضاء, غير أن عدم الوضوح في أحكام مبادئ باريس قد زاد من تعقيد المشكلة, خاصة إذا ما علمنا أن مبادئ باريس موجهة إلى الدول التي تكثر فيها انتهاكات حقوق الإنسان, ولا تتوفر فيها الضمانات ولا الآليات الكافية لهذه الحماية. ولعل مبادئ باريس قد أرادت أن توجد بدائل تساعد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان مثل لجان التحقيق التابعة للمؤسسات الوطنية ليتمكن ضحايا الانتهاكات من اللجوء إليها بسهولة, وفي سبيل ذلك, فقد خولت مبادئ باريس اللجان التابعة للمؤسسات أن تتخذ بعض الإجراءات التي يمكن أن تؤدي إلى إنصاف الضحايا ومحاسبة منتهكي حقوق الإنسان, ومن هذه الإجراءات التي تتخذها اللجان الآتي :
1- الاستماع إلى أية شكاوى أو التماسات أو إحالتها إلى أي سلطة أخرى مختصة, مع الالتزام بالحدود المقررة قانوناً.
2- محاولة التسوية الودية عن طريق التوفيق أو مع الالتزام بالحدود المقررة قانونا, عن طريق قرارات ملزمة, أو عند الاقتضاء باللجوء إلى السرية.
3- إخطار مقدم الالتماس بحقوقه, لاسيما بسبل الانتصاف المتاحة له وتيسير وصوله إليها.
4- تقديم توصيات للسلطات المختصة, لاسيما باقتراح تعديلات أو إصلاح القوانين واللوائح والممارسات الإدارية, وخاصة عندما تكون هي مصدر الصعوبات التي يواجهها مقدمو الالتماسات لتأكيد حقوقهم.
كما ينبغي أن تكون لهذه المؤسسات واللجان التابعة لها سلطات قانونية مرتبطة بالتحقيق, وأن تكون قادرة على ممارستها بشكل مباشر, بما في ذلك سلطات استدعاء الشهود وطلب الأدلة .
ووفقا لهذه الاختصاصات لمؤسسات حقوق الإنسان واللجان التابعة لها, فهناك نوعان من المؤسسات التي تتلقى الشكاوى وتعالجها, النوع الأول: هو المؤسسات الوطنية التي تستطيع هي نفسها فرض قرار ملزم على الأطراف عقب إجراء التحقيق. والنوع الثاني: هو المؤسسات الأكثر شيوعا والتي يمكن أن تتوصل إلى نتيجة, وأن تحيل القضية إلى جهة أو هيئة قضائية تكون مستقلة عن المؤسسة, أو إلى المحاكم بغية الحصول على حكم ملزم, وفي كل حال يجوز للمؤسسة أن تتصرف نيابة عن الشاكي أثناء الإجراء القضائي أو نيابة عن الصالح العام, وهذا بالطبع يتوقف على مقدار الولاية القضائية للمؤسسة .
وهذا التنوع في المؤسسات ولجان التحقيق التابعة لها, ناتج من طبيعة إنشاء كل مؤسسة, ومن طبيعة البيئة التي تعمل فيها, حيث يتم توفيق أوضاع المؤسسات واختصاصاتها وفقا للبيئة التي تزاول فيها نشاطها. وبالتالي, وعلى سبيل المثال, فإن الأوضاع السياسية السائدة في كل بلد تنعكس على إنشاء المؤسسة الوطنية وعلى طبيعة عملها, من حيث مدى توسيع أو تضييق نطاق سلطاتها, وكثرة وانتشار اللجان التابعة لها أو الحد منها, ومدى اعتماد اللجان على التعاون مع المحاكم وغيرها من أجهزة الدولة, وعلى مدى ما إذا كان هناك مؤسسات أخرى لتسوية النزاعات, مثل محاكم العمل وغيرها من المؤسسات .
وإعطاء مؤسسات حقوق الإنسان هذا الدور القضائي المتعلق باستقبال الشكاوى والتحقيق فيها والتصرف في نتائج التحقيق, لم يكن الغرض منه سوى التسهيل على الضحايا والمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان في الوصول إلى تلك المؤسسات والاستفادة من الخدمات التي تقدمها, والحصول على قدر من الإنصاف بواسطتها, أو عبرها, والإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة وتيسير في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان.
ويمكن القول, أن مؤسسات حقوق الإنسان واللجان التابعة لها, لا يمكن بأي حال أن ينظر إليها أو يفهم على أنها بديل عن آليات النظام القضائي العادي للدولة, وكل ما في الأمر أنها قد تؤدي دوراً مساعداً أو مكملاً لدور النيابة أو المحاكم .
كما ينبغي التأكيد على أن المؤسسات الوطنية ليس لها دور رقابي أو إشرافي على السلطة القضائية, ولا على أدائها وعملها, ولا على المحاكم والقضاة, احتراما لمبدأ سيادة القانون, ويكون لتلك المؤسسات أن ترفع إلى الجهات المعنية في السلطة القضائية بتوصيات معينة فيما يتعلق بتعزيز حقوق الإنسان أثناء المحاكمات مثلاً , أو فيما يتعلق بالسجون والسجناء, وأن تقيم علاقات تعاون بينها وبين القضاء, بما يفضي إلى تحقيق العدل والإنصاف للضحايا, وتعزيز وحماية حقوق الإنسان, ولا تملك مؤسسات حقوق الإنسان بأي حال أن تجبر القضاء على تنفيذ توصياتها المقدمة إليه .
المطلبُ الخامسُ : إنشاء وتشكيل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
القاعدة الأساس وفقا لمبادئ باريس هي أن المؤسسات الوطنية يجب أن يُنص عليها وعلى اختصاصاتها في الدستور . وبالتالي, يمكن أن تنشأ المؤسسة بقانون وفقا لنص دستوري سابق, وأن يحدد قانون إنشائها كيفية تشكيلها والمهام والصلاحيات والاختصاصات وسائر ما يتعلق بها.
فمن حيث الإنشاء : فإنه يمكن أن ينص الدستور على إنشاء المؤسسة, ومن ثم يتم إنشائها بقانون استنادا إلى الدستور, وفي حال لم ينص الدستور عليها, فيمكن أن تنشأ بقانون, خاصة إذا ما علمنا أن الكثير من الدول النامية والأقل نموا لم تتضمن دساتيرها النص على مثل هذه المؤسسات, وأن تضمينها في الدساتير يحتاج إلى تعديلات دستورية. وبالتالي, أيا كان نوع تلك المؤسسات أو تسميتها وسواء نص عليها الدستور أم لا, فإنها يجب أن تنشأ بقانون لضمان استقلالها وبقائها, ولتستمد منه شرعيتها وقوتها, ولتمارس سلطاتها واختصاصاتها وتدافع عنها بالاستناد إليه عند مواجهة أي تحديات .
ومن حيث التشكيل : فإنه عند تشكيل المؤسسة الوطنية لا فرق بين أن يتم اختيار أعضائها بالانتخاب أو بالتعيين, المهم في الأمر هو أن يكون هناك إجراءات تنطوي على كافة الضمانات ليكون التمثيل في المؤسسة واسعا ليشمل كافة القوى والشرائح والأطياف الاجتماعية والسياسية والدينية في المجتمع المدني التي لها علاقة بحماية ورعاية حقوق الإنسان .
ومن حيث الاختيار : فإن اختيار أعضاء الهيئة قد يتم بالتعيين من قبل الحكومة, أو من قبل رئيس الدولة, وإما بالانتخاب عبر السلطة التشريعية, ولكل من هذه الطرق مميزاته وعيوبه. فتعيين أعضاء المؤسسة من قبل الحكومة هو من جانب سيجعل المؤسسة محكومة بسياسات وتوجهات الحكومة إلى حد كبير, خاصة في الحكومات القمعية والاستبدادية التي تمتلك سجلا غير مشرف في مجال انتهاكات حقوق الإنسان, وهو من جانب آخر قد يكون له ميزة في حال الحكومة التي تعجز عن حماية حقوق الإنسان, لكنها لا تنتهكها بشكل مباشر ولا تشجع على انتهاكها, فعندما تعين هذه الحكومة أعضاء المؤسسة فإنها ستضع من الآليات ما يمكن المؤسسة من أداء دورها بشكل جيد, وتعمل في الوقت ذاته على مؤازرة جهود المؤسسة. كذلك الحال بالنسبة للتعيين من قبل رئيس الدولة, حيث يتوقف الأمر على مدى احترام ودعم رئيس الدولة من عدمه لحقوق الإنسان, وعندما يتم انتخاب أعضاء المؤسسة من قبل السلطة التنفيذية, فإن هذا يبعث الاطمئنان والارتياح لدى المجتمع, ويعزز ثقته بالمؤسسة وأعضائها, خاصة عندما تمارس السلطة التشريعية رقابة قوية على أعمال الحكومة , لكن هذا الأسلوب في اختيار أعضاء المؤسسة قد لا يجدي نفعا في حال ما يكون هنالك أغلبية برلمانية معينة لحزب أو طائفة أو أي اتجاه سياسي أو ديني في البرلمان.
إذن, لابد من التفكير في المسألة بشكل يضمن استقلالية أعضاء المؤسسة استقلالا تاما عن الجهة التي تعينهم أو تنتخبهم, خاصة أن مبادئ باريس لم تحسم هذه المسألة, وتركتها لتقديرات كل دولة ومجريات الأمور فيها, ولا فرق بعد ذلك إن تم اختيار الأعضاء بالانتخاب أو بالتعيين .
وللتوفيق بين مبادئ باريس فيما يتعلق بتشكيل واختيار أعضاء المؤسسة التي لم تحسمها المبادئ وبين الإشكالية التي يمكن أن يواجهها تشكيل واختيار أعضاء المؤسسة, نعتقد أنه من الواجب أولاً : أن يكون للمؤسسة قانونا ينشئها, ويحدد تشكيلها واختصاصاتها وأهدافها وآلية عملها وكل ما يتعلق بها. وأن يكون هناك تحديد مسبق لمعايير وأسس عامة ومجردة يجب توافرها في أعضاء المؤسسة قبل النظر في من هم الأشخاص الذين سيمثلون المؤسسة, ومن هي الجهة التي ستختارهم أو تعينهم, ويراعي في هذه المعايير والأسس أن تفضي إلى اختيار الأشخاص الأكثر استقلالا وحيادا, وفهما وإدراكا ووعيا بحقوق الإنسان ومفاهيمها, وأكثر قدرة على حمايتها ورعايتها والدفاع عنها, وأكثر قدرة على تنفيذ المهام والاختصاصات الموكلة إلى المؤسسة.
وثانياً : يجب أن ندرك أنه لكي تقوم المؤسسة بدورها في حماية وتعزيز حقوق الإنسان على الوجه الأكمل, ولكي يكون لها قبول وارتياح لدى المجتمع, وتتمكن من ممارسة واجباتها وتحقيق أهدافها, فينبغي أن يكون هناك تمثيل واسع في عضويتها, بحيث يتيح هذا التمثيل لكافة القوى السياسية والأطياف الاجتماعية والمنظمات المدنية والحقوقية أن يكون لها تمثيل معين بنسب متوازنة لا تتفاوت كثيرا فيما بينها, حتى لا يطغى بعضها على الآخر, أو يصبح بعضها أكثر وأقوى تأثيرا في إدارة المؤسسة وتنفيذ مهامها, وحتى لا تحدث خلافات داخل المؤسسة, وبالتالي تعرقل عملها وتفشل دورها. وهذا هو ما نصت عليه مبادئ باريس, عندما اشترطت لتشكيل المؤسسة الوطنية أن يكون هناك إجراءات تنطوي على ضمانات لازمة لكفالة التمثيل التعددي للقوى الاجتماعية في المجتمع المدني المعنية بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها .
وبالتالي, عندما يكون هناك قانون خاص بالمؤسسة وفقا للمعايير الدولية, ونضع مسبقا معايير مناسبة عامة ومجردة يجب توافرها في أعضاء المؤسسة, وعندما يتاح حق المشاركة في عضوية المؤسسة لكافة الأطياف والفصائل والقوى ومؤسسات المجتمع المدني المعنية دون استثناء أو استبعاد, يمكن بعد ذلك أن يشرف البرلمان على انتخابات المؤسسة وفق إجراءات قانونية ميسرة تتيح لكل من توافرت فيه معايير الترشح لعضوية المؤسسة أن يتقدم بطلب الترشح إلى البرلمان, وفي البرلمان تتم المنافسة بين كافة المتقدمين وفقا للقانون, ومن يقع عليهم الاختيار يتم الرفع بأسمائهم إلى رئيس الجمهورية لإصدار قرارات تعيينهم.

المطلبُ السَّادسُ : استقلال المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان
الاستقلال التام لمؤسسات حقوق الإنسان أمر حيوي يقاس به مدى نجاحها أو إخفاقها, فبدون استقلال هذه المؤسسات, في تشكيلها وفي أعضائها وفي ميزانيتها وفي سائر أمورها, لا شك أن عملها سيشوبه الانحياز وعدم الحياد, وبالتالي لن تتمكن من تحقيق الأهداف المرجوة لها في تعزيز وحماية حقوق الإنسان.
ويحكم البعض على المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بأنها غير مستقلة في أداء مهامها نظرا لأنها ممولة من الدولة, وإما لأن هذه المؤسسات قد يتم تشكيلها واختيار وتعيين أعضائها من قبل الحكومة أو من قبل رئيس الدولة أو ملكها. وهنا تثور بالفعل إشكالية مدى استقلال هذه المؤسسات عن تلك الجهات من عدمه. ويأخذ استقلال مؤسسات حقوق الإنسان أشكالا مختلفة وجوانب عدة, أهمها : الاستقلال المالي, والاستقلال القانوني, والاستقلال الوظيفي والإداري.
فمن حيث الاستقلال المالي, فالأساس أن مؤسسات حقوق الإنسان لا بد لها من تمويل كاف لتقوم بمهامها وتؤدي دورها المنوط بها بكفاءة وجدارة , كما أن البحث عن مصادر تمويل لهذه المؤسسات يمثل بالفعل عقبة أمام عملها. فمن أين يمكن الحصول على هذا التمويل الذي يجب أن يكون كافيا لهذه المؤسسات, لتزويدها بموظفين ومقار العمل والأجهزة والمعدات ومرتبات وأجور وتنقلات وتغطيات إعلامية وصحفية ومؤتمرات وندوات ومطبوعات.. إلى غير ذلك من النفقات, وفي الوقت ذاته يجب أن لا يكون هذا التمويل شبهة على هذه المؤسسات يظهرها أمام الغير بأنها غير مستقلة ماليا, وهو ما يؤثر على حيادها وأدائها, خاصة وأن مبادئ باريس لم تحسم مسألة التمويل, وجعلت البحث عن جهة تمويل غير الدولة مفتوحا أمام المؤسسات الوطنية .
وتنص مبادئ باريس على أن تلتزم الدول بالمساهمة في تمويل جزء من موازنة المؤسسات الوطنية على الأقل ما يتعلق بتوفير الآتي :
1- مقار أعمال المؤسسات الوطنية ومكاتبها, وعلى أقل تقدير توفير المقر الرئيس.
2- مرتبات وأجور الموظفين, وفقا لنظام الخدمة العامة في الدولة.
3- أجور المفوضين والخبراء حسب الأحوال.
4- نظم الاتصالات بما في ذلك الهاتف والإنترنت.
وفي الوقت ذاته يجب أن لا يكون هناك ما يمنع المؤسسات الوطنية من البحث عن مصادر تمويل تكميلية من جهات أخرى غير الدولة, كالمنظمات الدولية والوكالات المتبرعة والمانحة . على أنه يجب أن لا يشكل التمويل الخارجي للمؤسسة تمويلا أساسيا للمؤسسة, وأن تتحمل الدولة مسئولية تمويل الحد الأدنى من ميزانية المؤسسة .
ومن المهم التسليم أن تمويل الدولة للمؤسسات الوطنية هو أولاً : يشكل عبئا على الدولة ذاتها, خاصة الدول النامية والأقل نموا, وقد يجعل هذه المؤسسات مرهونة بالفعل بيد الدولة أو بعض أجهزتها, وهو ما يفقدها أهم صفاتها الجوهرية وهي الاستقلال. وثانياً : فإن فتح الباب لمؤسسات حقوق الإنسان لتتلقى تمويلها المالي من مصادر أخرى غير الدولة, مثل المنظمات الدولية أو الدول, هو أيضا أمر معيب على عمل هذه المؤسسات ويوقعها أيضا في دائرة عدم الاستقلال.
وفي اعتقادي, أن تمويل الدولة لكامل ميزانية المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان لا يؤثر على استقلال المؤسسة, بقدر ما هو يؤثر أكثر على موازنة الدولة ذاتها, خاصة إذا ما علمنا - كما أسلفنا - أن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تنشأ في أغلب الأحيان في الدول النامية والأقل نموا التي يكثر فيها انتهاكات حقوق الإنسان والتي تعاني أصلاً شحت الموارد المالية, إضافة إلى الطامة الكبرى فيها وهي الفساد المالي والإداري.
ولذا, فإن الأولى هو مساعدة هذه الدول لتتمكن من توفير التمويل الكافي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, خير من أن تظل مرهونة - في بعض الأحيان - للتمويل الخارجي, ناهيك عن استشراء الفساد المالي في إطار هذه المؤسسات عندما يتم تمويلها خارجيا ولا تخضع لأي شكل من أشكال الرقابة المالية وإجراءات الشفافية, الأمر الذي يجعل القائمين عليها بعيدين عن الرقابة والمساءلة.
أما مشكلة عدم استقلالية المؤسسات الوطنية عن الدولة بسبب تمويل الدولة لموازنتها, فهي مشكلة يمكن معالجتها بسهولة, وذلك بأن يتم تحديد مقدار الموازنة التي تحتاجها المؤسسة, وتدرج رقما واحدا في الموازنة العامة للدولة, وتصرف سنويا باسم المؤسسة ولحسابها لدى البنك المركزي, وإتاحة القدرة على التصرف لمؤسسة لصرف موازنتها بحرية واستقلالية وفق ما هو محدد في قانون إنشائها, وإخضاع المؤسسة لرقابة مالية ومحاسبية معينة لا تؤثر على استقلالها.
ومن ناحية أخرى, فإن الدولة تمول العديد من منظمات المجتمع المدني بل وتمول الأحزاب السياسية ومنها أحزاب المعارضة التي تسعى لإسقاط الأنظمة القائمة والوصول إلى السلطة, ومع ذلك, لم يقل أحد أن هذه الأحزاب تسيطر عليها الدولة أو توجهها أو تتدخل في سياساتها, بل إن تلك الأحزاب تعمل بكل استقلال وحرية, وهكذا, هو الحال فيما يتعلق بتمويل الدولة لمؤسسات حقوق الإنسان, إذ لا يمكن أن يعتبر تمويل الدولة لهذه المؤسسات دليل على عدم استقلالها. وكل ما في الأمر أن بعض الدول التي يكون سجلها سيئا في مجال حقوق الإنسان تخشى من إنشاء مثل هذه المؤسسات, من أنها ستكشف مساوئها وتظهر مدى تسلطها وسطوتها على مواطنيها و تبين انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها أجهزتها, وهذا سيجعل تلك الدول تحت مجهر المجتمع الدولي, وقد يوقعها في طائلة المساءلة, و من هذا المنطلق تُكال التهم على هذه المؤسسات وتُثار حولها الشبهات.
ومن حيث الاستقلال القانوني : فإنه يعني ضرورة أن تنشأ المؤسسة بقانون, وأن يكون لها صلاحيات واسعة قدر الإمكان , وأن يكون لها شخصية اعتبارية واضحة ومحددة تمكنها من اتخاذ القرارات بشكل مستقل, والتصرف في سائر شئونها باستقلالية . كما يجب أن يحدد القانون المنشئ للمؤسسة المهام والاختصاصات والصلاحيات المخولة لها, ويحدد مسؤوليتها ومسئولية أعضائها وحصاناتهم وحقوقهم وواجباتهم, وعلاقة المؤسسة بالجهات الأخرى الحكومية وغير الحكومية, إلى غير ذلك مما يلزم تحديده في القانون المنشئ للمؤسسة, ذلك أن تحديد كافة الأمور المتعلقة بالمؤسسة في إطار قانون إنشائها, يمنح المؤسسة شرعية أقوى واستقلالا أكبر وقدرة على ممارسة مهامها من أن يكون ذلك التحديد بموجب قرار أو مرسوم صادر عن الحكومة أو رئيس الدولة أو ملكها.
كما أن الاستقلال القانوني يعني أن المؤسسة عندما تستند في إنشائها وفي عملها إلى سلطة الدستور والقانون, فإن شرعية عملها تكون مستمدة منهما, وبالتالي لا تستطيع أي جهة إضعاف عملها, أو ممارسة الوصاية عليها, أو توجيهها, لأنه لن يكون هناك رقيب عليها أو موجه لها غير القانون.
أما الاستقلال الوظيفي والإداري : فيعني الاستقلالية في اختيار أعضاء المؤسسة, وعدم تبعيتهم لجهة أو سلطة تعيين في الدولة, - وقد سبق الحديث عن كيفية اختيار أعضاء المؤسسة في المطلب الخاص بتشكيل المؤسسة- وكذا, استقلال المؤسسة في اختيار وتعيين موظفيها التابعين لها وفي توجيههم والإشراف على أعمالهم.
كما يعني الاستقلال الوظيفي والإداري, حرية المؤسسة في ممارسة الوظائف والاختصاصات والصلاحيات المنوطة بها باستقلالية تامة دون توجيه أو عوائق. وأيضا قدرة المؤسسة على ممارسة أعمالها اليومية بشكل مستقل بعيداً عن أي تأثير .

المطلبُ السَّابعُ : علاقة المؤسسات الوطنية بالدولة وبالمجتمع المدني
بداية ينبغي التأكيد على أن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ليست منظمات غير حكومية, ولا ينطبق عليها ما ينطبق على المنظمات غير الحكومية, رغم التشابه في طبيعة ومجال عمل كل منها, وفي الوقت ذاته ليست مؤسسات تابعة للدولة, رغم أن الدولة هي التي تنشئها وتمول ميزانيتها أو جزء منها. بل, هي مؤسسات يجب أن تكون مستقلة تماما عن قطاع المنظمات غير الحكومية ومستقلة عن الدولة .
وقد ظهرت المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لغاية سامية تتمثل في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها ضد الانتهاكات التي تتعرض لها سواء من الدولة ذاتها أم من بعض الجهات الأخرى في المجتمع, ومؤسسات حقوق الإنسان لا تعمل بمعزل عن الدولة والمجتمع فهي متوغلة فيهما ولا يمكنها أن تقوم بمهامها دون مساعدة الدولة والمجتمع.
وعندما تقوم المؤسسة الوطنية بدورها الرقابي على ممارسات الدولة, فإنها تراقب أول ما تراقب تشريعات الدولة وممارسات أجهزتها, لتتأكد من مدى التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وانسجامها معها, ولكي تقوم المؤسسة بهذا الدور, لابد لها من تكوين علاقات واسعة مع أجهزة الدولة ذاتها, ومع المؤسسات الوطنية الأخرى, ومع منظمات المجتمع المدني .
كذلك, لأن حقوق الإنسان وحمايتها هي ذات طابع عالمي, فمن المفيد لمؤسسات حقوق الإنسان إقامة نوع من علاقات التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة, وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة . وستتضح هذه العلاقة من خلال تبيان علاقة مؤسسات حقوق الإنسان بالدولة, وعلاقتها بالقضاء وعلاقتها بمنظمات المجتمع المدني.
فمن حيث علاقة المؤسسات الوطنية بالدولة: فإن هذه العلاقة منبعها أن للدولة الدور الرئيس في إنشاء هذه المؤسسات وتمويلها, أو على الأقل تمويل الجزء الأكبر من نفقاتها, وفي بعض الأحيان يتم اختيار وتعيين أعضائها من قبل الدولة, وأحيانا من قبل السلطة التشريعية ويصدر قرار التعيين من رئيس الدولة أو ملكها, وأنه في بعض الحالات تنص قوانين إنشاء هذه المؤسسات على خضوع أعضائها للمسئولية أمام السلطة التشريعية, وهو ما يظهر هذه المؤسسات أمام المجتمع على أنها جزء من مؤسسات الدولة .
ومن جانب آخر, فإن من أبرز مهام واختصاصات هذه المؤسسات هو مراقبة ممارسات أجهزة الدولة المختلفة فيما يتعلق بالأمور المتصلة بحماية وتعزيز حقوق الإنسان, وفي الوقت ذاته التكامل والتعاون مع هذه الأجهزة لتحقيق الغاية الأسمى المتمثلة في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها. ولكي لا تظهر مؤسسات حقوق الإنسان على أنها تابعة للدولة, فينبغي أن يحدد قانون إنشائها بشكل صريح وواضح عنصرين هامين في نوع العلاقة بينها وبين الدولة, الأول: استقلال المؤسسات عن الحكومة وسائر أجهزتها, والثاني: خضوع المؤسسة الوطنية للمساءلة أمام السلطة التشريعية .
ومن ثم على المؤسسات الوطنية أن تتكيف مع الواقع الوطني وأن تعمل مع سلطات الدولة الثلاث, التنفيذية والقضائية والتشريعية, وفي الوقت ذاته عليها أن تحافظ على استقلاليتها المستمدة من قانون إنشائها, حتى لا تنجرف وراء التبعية المطلقة للدولة .
ورغم أن مبادئ باريس قد حددت نوعا من العلاقة التي ينبغي على مؤسسات حقوق الإنسان أن تقيمها مع الهيئات الأخرى في الدولة, والتي تتمثل في إجراء المشاورات بين المؤسسات الوطنية وبين تلك الجهات المكلفة بتعزيز حقوق الإنسان مثل: أمناء المظالم, ووسطاء التوفيق, والمؤسسات المماثلة , إلا أن الحقيقة أن تحديد نوع وشكل العلاقة التي ينبغي على المؤسسات إقامتها مع أجهزة الدولة ووقت إقامتها ومقدارها, هو أمر في غاية الصعوبة, إذ أنه يتوقف على العديد من العوامل, منها: مدى الصلاحيات والسلطات المخولة للمؤسسة ذاتها في قانون إنشائها, البيئة والوسط الاجتماعي الذي تعمل فيه المؤسسة, مدى قدرة أعضاء المؤسسة على إقامة العلاقات اللازمة بين المؤسسة وبين الدولة وسائر أجهزتها, وبالتالي, فإنه وفقا لهذه العوامل وغيرها يمكن بعد ذلك تحديد تلك العلاقة التي من خلالها يمكن بعد ذلك تحديد ما إذا كانت هذه العلاقة قوية أم ضعيفة, تخدم أغراض وأهداف المؤسسة أم تؤثر عليها وعلى أدائها, وهل هي علاقة تبعية للدولة أم علاقة استقلال عنها.
غير أن ما يمكن التأكيد عليه هو أن قانون إنشاء المؤسسة ينبغي أن ينص بوضوح على الحد الأدنى من العلاقات التي ينبغي على المؤسسات إقامتها مع الدولة وسائر أجهزتها, والتي تتمثل في عنصرين رئيسيين هما: التعاون والتكامل, ومن خلال هذين العنصرين للعلاقة بين المؤسسة والدولة يمكن بعد ذلك توضيح إجراءات وآليات وضوابط كل منهما في صلب قانون إنشاء المؤسسة, أو على أقل تقدير في لائحتها التنظيمية.
ومن حيث علاقة المؤسسات الوطنية بالقضاء :
سبق وأن ذكرنا أن مؤسسات حقوق الإنسان واللجان التابعة لها, لا يمكن بأي حال أن ينظر إليها أو يفهم على أنها بديل عن آليات النظام القضائي العادي للدولة, وليس لها دور رقابي أو إشرافي على السلطة القضائية, ولا على أدائها وعملها, ولا على المحاكم والقضاة, احتراما لمبدأ سيادة القانون.
وتظهر علاقة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بالقضاء عندما يخول قانون إنشاء المؤسسة اختصاصا شبه قضائي فيما يتعلق بالشكاوى من انتهاكات حقوق الإنسان وبالتحقيق فيها والتصرف بها, حيث تستطيع المؤسسة الوطنية بما لها من سلطات أن تتخذ بعض الإجراءات شبه القضائية مثل: إجراء التسوية الودية بين الشاكي والمشكو به, استدعاء الشهود, إحالة الشكوى إلى سلطة مختصة كالنيابة مثلا, كما أن قانون إنشاء المؤسسة قد يخولها-حسب مبادئ باريس- سلطة تقديم توصيات إلى المحاكم لتنفيذها. وهنا يظهر الأمر على أن هذه السلطات والصلاحيات المخولة للمؤسسة, تعد تدخلا في شئون السلطة القضائية وفي اختصاصاتها, غير أن الأمر ليس كذلك, فالعلاقة بين المؤسسة والقضاء في هذا الجانب وفقا لمبادئ باريس هي علاقة لا تُخول المؤسسة أي سلطات على القضاء, ولا تملك المؤسسة وسيلة قانونية تمكنها من إجبار القضاء على تنفيذ ما تريد, بل, إن مبادئ باريس تنص على أن المؤسسة عندما تحيل الشكوى إلى سلطة مختصة كالنيابة أو المحكمة, فإنها في هذه الحالة تلتزم بالحدود المقررة في القانون , كما أن مبادئ باريس عندما خولت المؤسسات سلطة تقديم توصيات إلى القضاء لم تخولها سلطة إجبار القضاء على تنفيذ التوصيات, إذ أن للقضاء وحده سلطة أن يقرر الأخذ بتلك التوصيات وتنفيذها أو رفضها.
ومع ذلك وفي كل الأحوال, فإن قانون إنشاء المؤسسة هو الذي يحدد نوع وشكل علاقة المؤسسة بالقضاء وبالجهات الأخرى, ومن ثم, فإن أي غموض أو لبس أو تعارض يُخشى الوقوع فيه, يمكن تداركه في إطار قانون إنشاء المؤسسة.
أما من حيث علاقة المؤسسات الوطنية بالمجتمع المدني :
فإن وجود مجتمع مدني قوي وفعال أمر في غاية الأهمية بالنسبة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان, وبالنسبة لأي مؤسسة وطنية تعمل في هذا المجال . وتظهر أول سمات علاقة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بالمجتمع المدني بشكل واضح وصريح منذ اللحظات الأولى لتأسيسها, حيث تشترط مبادئ باريس أنه "ينبغي أن يكون تشكيل المؤسسة الوطنية وتعيين أعضائها سواء بالانتخاب أو بغير انتخاب وفقا لإجراءات تنطوي على جميع الضمانات اللازمة لكفالة التمثيل التعددي للقوى الاجتماعية (في المجتمع المدني) المعنية بحماية حقوق الإنسان وتعزيزها لاسيما بسلطات تسمح بإقامة تعاون فعال مع الجهات التالية" .
وتعدد مبادئ باريس مجموعة من شرائح المجتمع التي ينبغي تمثيلها في تشكيلة أعضاء المؤسسة, وفي الوقت ذاته ينبغي على المؤسسات التعاون معها, وهي: المنظمات غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان, مثل رابطات الحقوقيين, والأطباء والصحفيين والشخصيات العلمية. تيارات الفكر الفلسفي والديني, الجامعات والخبراء والمؤهلون .
وعلى العكس فيما يتعلق بعلاقة مؤسسات حقوق الإنسان بالدولة, تلزم مبادئ باريس المؤسسات الوطنية بإقامة علاقات قوية مع منظمات المجتمع المدني غير الحكومية التي تكرس نفسها لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها وللتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة العنصرية وحماية المجموعات الضعيفة, لاسيما الأطفال والعمال المهاجرين, واللاجئين, والمعوقين جسدياً وعقلياً .
غير أن مبادئ باريس لم تحدد شكل العلاقة بين المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وبين منظمات المجتمع المدني, إلا أنها ذكرت أنه "..نظرا للدور الأساسي الذي تؤديه المنظمات غير الحكومية في توسيع نطاق عمل المؤسسات الوطنية.. التي تكرس نفسها لتعزيز حقوق الإنسان وحمايتها وللتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومكافحة العنصرية وحماية المجموعات الضعيفة, لاسيما الأطفال والعمال المهاجرين, واللاجئين, والمعوقين جسدياً وعقلياً". ما يعني أن العلاقة بين المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني هي علاقة مفتوحة وغير مقيدة, باعتبار أن منظمات المجتمع المدني قادرة على توصيل الشكاوى من الضحايا والمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان, وقادرة على الوصول إلى الفئات المستضعفة في المجتمع, وعلى الانتشار والتوغل في المجتمع أكثر من غيرها, ولذا كان على مؤسسات حقوق الإنسان أن تنمي وتعمق علاقات العمل مع تلك المنظمات العاملة في ميدان حقوق الإنسان .
المطلبُ الثَّامنُ : المتوقع والمأمول من إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في اليمن
تنشأ المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لغاية سامية هي حماية وتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها, ومن أجل ذلك تخول هذه المؤسسات ممارسة الصلاحيات والاختصاصات التي تمكنها من القيام بهذه الغاية.
وحماية وتعزيز حقوق الإنسان لا تستهدف إنسانا بحد ذاته أو فئة أو طائفة بعينها في المجتمع, بل تستهدف كل إنسان في المجتمع, وتحمي كافة حقوق الإنسان التي تنص عليها المواثيق والإعلانات الدولية التي أصبحت مؤطرة في إطار القانون الدولي.
وباعتبار اليمن واحدة من الدول التي تعاني مشاكل جمة في مجالات حقوق الإنسان, وتكثر فيها انتهاكات حقوق الإنسان من قبل الدولة ومن قبل أشخاص في المجتمع, ولا زال المواطن اليمني فيها محروما من أبسط حقوقه التي نص عليها الدستور والقوانين, ولا يوجد إلى اليوم جهة أو مؤسسة حكومية أو خاصة في اليمن قادرة على توفير القدر اللازم لحماية وتعزيز حقوق الإنسان, رغم أن الحكومة اليمنية أنشأت اللجنة الوطنية العليا لحقوق الإنسان عام 1999م, ثم أنشأت وزارة مستقلة لحقوق الإنسان لتحل محل اللجنة الوطنية, إلا أن الغرض من إنشائهما كان مجرد تنفيذ التزام دولي, وتحسين صورة اليمن السلبية في مجال حقوق الإنسان أمام المجتمع الدولي, وحتى عام 2011م, لم تؤديا دورا ملموسا وحقيقيا لحماية وتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها في الواقع العملي, بسبب تبعيتهما المفرطة للدولة, وعدم استقلالهما ماليا وإداريا ووظيفيا, وعدم منحهما الاختصاصات اللازمة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان بالفعل.
وعندما تنشأ مؤسسات وطنية لحقوق الإنسان في اليمن, فإن المجتمع اليمني يتوقع من هذه المؤسسات ويأمل أن توفر له كثيرا من حقوقه التي حُرم منها طويلا, وتوقف الانتهاكات والتجاوزات المستمرة لحقوقه.
كما أن الدولة عندما تنشئ هذه المؤسسة فإنها ترسم لها أهدافا لخدمة سياساتها في مجالات حقوق الإنسان حسب توجهات الحكومة ذاتها, وحسب جديتها ومصداقيتها في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان, وبالتالي تتوقع منها أن تساعدها في هذا المجال الذي أنشأتها من أجله. ولذا, فإن المؤمل من إنشاء هذه المؤسسات أن تحقق للمجتمع والدولة ما يلي :
1- أن تساعد الدولة على الوفاء بمسئولياتها الدولية, من خلال الإجراءات التي تتخذها المؤسسة, بما يكفل تنفيذ الدولة لالتزاماتها وتعهداتها الدولية فيما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان.
2- أن تكون حلقة الوصل بين المجتمع المدني والدولة, وأن تكون الملتقى المحايد, ومركز التنسيق بين الدولة والمجتمع, لإجراء الحوار الجاد لضمان حماية وتعزيز حقوق الإنسان .
3- أن تكون ذا طبيعة مستقلة عن مؤسسات الدولة وعن منظمات المجتمع المدني, وأن تعمل بحياد تام وانحياز كامل لقضايا حقوق الإنسان.
4- أن تعمل على إنصاف من انتُهِكتْ حقوقهم جراء الصراعات السياسية التي تمت في الفترات الماضية, وعلى أقل تقدير أن تكشف عن حقيقة ما جرى, باعتبار أن الحق في معرفة الحقيقة أصبح حقا من حقوق الإنسان.
5- أن تكون قادرة على توفير وسائل ميسرة للاتصال بها والوصول إلى مكاتبها, وتوعية الناس بالخدمات التي تقدمها وكيفية استفادتهم منها.
6- أن تعمل على كسب ثقة الجمهور بها وثقة منظمات المجتمع المدني التي تعمل معها, وذلك عن طريق التعامل الحسن مع الشكاوى ومع الأشخاص الذين انتهكت حقوقهم, بما يظهر بالفعل أن هذه المؤسسات ترحب بالتعامل معها وأنها تتعامل مع قضايا حقوق الإنسان بجدية.
7- أن يعمل أعضاؤها بكل استقلال وحياد ونزاهة , وأن يعلم الكافة أنهم غير محصنين متى أخلوا بالواجبات والالتزامات الملقاة على عواتقهم.
8- أن يكون أعضاء المؤسسة قادرين على توطيد علاقات المؤسسة بالمجتمع المدني, بالدولة, وبالجهات الدولية ذات العلاقة, دون إخلال بمبدأ الاستقلال والحياد الذي ينبغي أن تتمتع به المؤسسة وأعضاؤها أمام الغير.
9- أن تكون منتدى عام للتشاور والتحاور مع المجتمع المدني بكافة شرائحه , بما يعزز من دورها في المجتمع, ويحقق الأهداف المرسومة لها في حماية وتعزيز حقوق الإنسان.
10- أن تعالج قضايا حقوق الإنسان التي تُعرض عليها, والتي تطلع عليها وتكتشفها من تلقاء نفسها, وذلك باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة التي تحقق الإنصاف للضحايا والمظلومين الذين انتهكت حقوقهم, وهو ما يعزز الثقة أيضا بدور وأهمية هذه المؤسسات.
11- أن تعي المؤسسة الوطنية أنها تعمل في منطقة وسط بين الدولة والمجتمع, وأن الغرض من إنشائها هو حماية وتعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها أمام الجهات الوطنية والدولية, وبالتالي, على المؤسسة أن لا تتدخل في أعمال وشئون السلطتين القضائية والتنفيذية, أو تؤثر على سير أعمال ودور منظمات المجتمع المدني , أو تفسد علاقتها مع المجتمع الدولي.
12- أن لا تسمح لأي جهة رسمية أو غير رسمية أو شخص طبيعي أو اعتباري بالتدخل في شئونها أو توجيهها أو التأثير على سير عملها أو على أعضائها.
13- أن تقيم علاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة وفقا للقوانين, وبما يعزز من دورها في حماية حقوق الإنسان ويساعدها في تحقيق أهدافها, على أن لا تتحول هذه العلاقة إلى تبعية, أو أن يكون لتلك المنظمات تأثير على أداء المؤسسة الوطنية.
14- أن تراعي المؤسسة الوطنية البيئة التي تعمل فيها ومن خلالها, بما لا يؤدي إلى تصادم بين ما تقوم به المؤسسة وبين قيم وعادات وتقاليد وأعراف المجتمع.

الخــاتمــة :
لقد أصبح إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان التزام دولي على عاتق الدولة, تمليه ضرورات حماية حقوق الإنسان, وتفرضه منظمة الأمم المتحدة, وفقا لما بات يعرف بمبادئ باريس, التي تضع معايير عامة للمهام والاختصاصات والمسئوليات والتشكيل وضمان الاستقلال وطرائق العمل والتمويل, وبما يكفل أداء المؤسسات الوطنية لمهامها بصورة مستقلة وفعالة ومحايدة.
وقد جرى تطوير للمعايير التي تضمنتها مبادئ باريس وأصبحت الآن تشكل قاعدة عريضة وبناءة, ومنطلقا لا غنى عنه عند إنشاء أي مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان. وتستطيع كل دولة أن تطوع هذه المبادئ حسبما يلزم ويتلاءم مع ظروفها السياسية والاقتصادية دون الإخلال بالمبادئ الرئيسية. في المقابل, فقد تطور عمل وأداء المؤسسات الوطنية من خلال مشاركتها وإشراكها في المحافل الإقليمية والعالمية, حيث ساهم تبادل الخبرات في مجالات عمل مؤسسات حقوق الإنسان على تأكيد مركزها في النطاق المحلي والدولي, وزيادة قدرتها على المشاركة باسمها محليا ودوليا ولدى هيئات الأمم المتحدة.
وتمثل مبادئ باريس الحد الأدنى من المعايير التي يجب توافرها في المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, وهي دليل إرشادي للدول تهتدي به عند صياغة قوانين إنشاء المؤسسات الوطنية, غير أن الغموض في مبادئ باريس وإغفالها لبعض الأحكام والقضايا أثار حولها عددا من التساؤلات فيما يتعلق بعلاقتها بمؤسسات الدولة خاصة السلطة القضائية, وبالتمويل الخارجي, وكذا علاقة تلك المؤسسات بالمنظمات الدولية ذات الصلة, ومع ذلك يمكن تدارك هذه المسائل عند وضع قوانين إنشاء هذه المؤسسات وإزالة أي تضارب في الاختصاصات والصلاحيات بينها وبين سائر مؤسسات الدولة, ومنع أي تدخل للمؤسسات الوطنية في أعمال سلطات الدولة الثلاث, وأن يركز قانون إنشاء المؤسسة على مهامها وصلاحياتها الرامية إلى تحقيق حماية وتعزيز حقوق الإنسان بالوسائل اللازمة والمناسبة لكل بلد.
ومن الأفضل اليوم للدولة والمجتمع تجاوز النظرة السلبية والنمطية عن مؤسسات حقوق الإنسان, والنظر إليها على أنها عامل مساعد للدولة في تحمل الجزء الأكبر من المسئوليات المناطة بها في مجالات حقوق الإنسان الواسعة, خاصة تلك التي تواجهها الدولة والمجتمع بعد فترات التحول السياسي التي تشهدها بعض الدول بسبب الصراعات, حيث تواجه الدولة في فترات الصراع ومع بعد الصراع تركة كبيرة من انتهاكات حقوق الإنسان التي تتطلب معالجة آثارها وحصر الضحايا وإنصافهم, والتحقيق في الانتهاكات والصراعات, وتقديم المنتهكين للعدالة, وعمل برامج التعويض وجبر الأضرار, وإصلاح المنظومة القانونية للدولة والمؤسسات ذات العلاقة بالتعامل مع حقوق الإنسان, وإعادة إصلاح ودمج ضحايا الانتهاكات وكافة الفئات المستضعفة في المجتمع, كل ذلك يحتاج بالتأكيد إلى تضافر جهود الدولة والمجتمع, وهنا يبرز دور وأهمية مؤسسات حقوق الإنسان لمساعدة الدولة والمجتمع على تجاوز مرحلة من مراحل التحول السياسي وتركة مثقلة بانتهاكات حقوق الإنسان.
أضف إلى ذلك أن وجود المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان يمكن ربطه ببرامج التنمية الشاملة, وإذا ما تم التوظيف السليم لهذه المؤسسات في هذا المجال, فإن ذلك سيحقق للدولة والمجتمع فرصة الحصول على دعم المجتمع الدولي فيما يتعلق بتنمية وتطوير مختلف المجالات الإنسانية, ومنها بالطبع الفقر والبطالة والتعليم والصحة.

النتـائـج :
1- ظهور المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان سببه كثرة انتهاكات حقوق الإنسان بسبب تسلط الأنظمة السياسية القمعية وكثرة الصراعات في المجتمعات النامية والأقل نموا.
2- انتشار قيم الديمقراطية, وارتفاع نسبة الوعي لدى المجتمع بحقوقه المكفولة, وتطور وسائل الاتصال والإعلام لم يعد من الممكن معها تغطية وإخفاء انتهاكات حقوق الإنسان, ولم يعد من الممكن السكوت عنها أو التستر على منتهكيها.
3- أصبح إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان التزام دولي على عاتق الدول خاصة النامية والأقل نموا التي تكثر فيها انتهاكات حقوق الإنسان لعدم وجود الضمانات القانونية الكافية والمؤسسات اللازمة لحماية حقوق الإنسان.
4- هناك جوانب غموض في مبادئ باريس وجوانب قصور تؤدي إلى حدوث التباس في فهمها وفي التعامل معها.
5- لا يفهم من مبادئ باريس أن إنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تدخلا في الشئون السيادية للدولة, أو في اختصاص جهاز من أجهزتها أو أنها تتدخل في اختصاصات سلطات الدولة التشريعية أو القضائية أو التنفيذية.
6- علاقة مؤسسات حقوق الإنسان بالدولة هي علاقة ( تعاون وتكامل) ويلزم أن تنشأ أي مؤسسة وطنية على هذا الأساس.
7- للدولة مطلق الحرية عند إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان أن تكيف عمل المؤسسة وأهدافها واختصاصاتها وفقا لأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع الالتزام بالحد الأدنى من المعايير التي حددتها مبادئ باريس.
8- أن تنشا المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في أي بلد(بقانون) وليس بقرار أو مرسوم, حتى تكتسب شرعية أقوى وتؤدي عملا أفضل.

التَّوصيات :
1- يجب أن ينصب مجهود الدولة والمجتمع على احترام وحماية وتعزيز حقوق الإنسان, باعتبارها قضية تتوقف عليها سلبا أو إيجابا كافة القضايا المعيقة للتنمية والاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي, لارتباطها بالصراعات والظلم والاضطهاد والقهر والاستبداد, والإنسان في كل هذه القضايا هو محورها ومرتكزها الأساسي.
2- على الأنظمة السياسية في الدول النامية والأقل نموا أن تغيير سياساتها تجاه قضايا حقوق الإنسان بما يؤدي إلى احترام وحماية تلك الحقوق, فقد أصبحت حماية حقوق الإنسان قضية يقاس عليها دوليا مدى نجاح أو فشل الأنظمة السياسية, وبقاء تلك الأنظمة مرهون بمدى تمسكها بقيم الديمقراطية, وبجديتها في احترام وحماية حقوق الإنسان.
3- مراجعة مبادئ باريس وإزالة الغموض من بعض بنودها والالتباس الذي يحصل فيها, وإعادة هيكلتها وتبويبها, ومعالجة أوجه القصور فيها بنصوص إضافية جديدة متفق عليها, لتصبح هذه المبادئ قانونا نموذجيا معتمدا في منظمة الأمم المتحدة لإنشاء المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
4- إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في الجمهورية اليمنية بقانون وليس بقرار, بالاسترشاد بمبادئ باريس, ومراعاة الخصوصية الاجتماعية للمجتمع اليمني والظروف السياسية والاقتصادية للدولة. وأن يكون لها صلاحيات واسعة تخدم بالفعل قضايا حقوق الإنسان وتحقق نتائج ملموسة في الواقع اليمني.
5- أن تضع الدولة مع المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان إستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان, ماضي وحاضر ومستقبل.
6- أن تمول الدولة كامل ميزانية المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان, وأن يقتصر التمويل الخارجي على تقديم المساعدة الفنية والتقنية والمعلوماتية وتمويل برامج محددة وفقا لما يحدده قانون إنشاء المؤسسة.
7- أن ينص قانون إنشاء المؤسسة الوطنية على الاستقلال والحياد الكاملين للمؤسسة وأعضائها, وخضوعهم جميعا للمسئولية والمساءلة أمام السلطة التشريعية.
8- أن تكون علاقة المؤسسة الوطنية التي ستنشأ في اليمن مع السلطة القضائية وسائر أجهزة الدولة واضحة وصريحة لا لبس فيها, تقوم على أساس( التعاون والتكامل) بين المؤسسة وتلك الجهات.
9- أن تستغل الدولة المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان لتصلح من خلالها المنظومة القانونية المتعلقة بحقوق الإنسان, وتصلح أجهزتها المختلفة المرتبطة بالتعامل مع قضايا حقوق الإنسان, بما يؤدي إلى احترام وحماية تلك الحقوق.

أهـم المراجع :
• مبادئ باريس 1992م, وهي المبادئ المتعلقة بمركز المؤسسات الوطنية لتعزيز وحماية حقوق الإنسان المصادق عليها سنة 1992م، من لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة والمعتمدة بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر 1993م.
• قرار مجلس الوزراء رقم(35) لعام 2012 بشأن إعداد مشروع قانون لإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان.
• قرار مجلس الوزراء رقم (138) لعام 2012م، بشأن تشكيل لجنة التحقيقات في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان التي حدثت عام 2011م.
• برجيت ليندزنايس ولون ليندهولت, المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان وضع المعايير واستعراض الإنجازات, المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, مقالات وأوراق عمل, تحرير, برجيت ليندزنايس وآخرون, المركز الدنمركي لحقوق الإنسان, ط, أولى, 2001م, الدنمرك.
• المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, التاريخ والمبادئ والأدوار والمسؤوليات, من منشورات الأمم المتحدة, 2010م, بدون ناشر.
• المجلس الدولي لسياسات حقوق الإنسان, تقييم فعاليات المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, بدون ناشر,2005.
• لون ليندهولت وفيرجس كيريجان, الجوانب العامة للاختصاص شبه القضائي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, مقالات وأوراق عمل, تحرير,برجيت ليندزنايس وآخرون, المركز الدنماركي لحقوق الإنسان, ط, أولى, 2001م, الدنمرك.
• مورتين كجايروم, تجارب المؤسسات الوطنية الأوروبية لحقوق الإنسان, المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, مقالات وأوراق عمل, تحرير,برجيت ليندزنايس وآخرون, المركز الدنمركي لحقوق الإنسان, ط,أولى, 2001م, الدنمرك.
• محمد محمود محمدو, فعالية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان, المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان مقالات وأوراق عمل, تحرير,برجيت ليندزنايس وآخرون, المركز الدنمركي لحقوق الإنسان, ط, أولى, 2001م.


واقع منظمات المجتمع المدني الحقوقية ومستوى الشـراكة بينهـا وبـين الحكـومـة


إعــداد
محمد قاسم نعمان
اسعد محمد عمر
الهام عبد الوهاب خالد عايش
عبد الله الشليف
د. ياسين عبد العليم




المقدِّمةُ :
يمر المجتمع اليمنى خلال الفترة الحالية بمرحلة انتقاليه هامه وخطيرة ، مليئة بالمتغيرات ومفتوحة لاحتمالات كثيرة ، وتكمن خطورة هذه المرحلة وأهميتها في إنها تؤسس وتضع القواعد والمرتكزات الرئيسية للمستقبل ، كما إنها تهيئ الإفراد والجماعات ثقافيا وسيكولوجيا وتضع الأسس اللازمة لقيام الدولة اليمنية الحديثة بما يحقق حكم الشعب نفسه بنفسه من خلال التعددية السياسية ووجود مؤسسات فاعله وبما يحقق التحول لديمقراطي الحقيقي الذي يحترم حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية وتكون فيه الحرية هي القيمة العظمى والأساسية، الأمر الذي يتطلب في المقام الأول إجراء تغييرات ثقافية واجتماعية تؤهل المجتمع لقبول هذه التحولات والأطر وتهيئته للتعامل مع الشروط الفعلية للنجاح، وهذا لن يتأتى إلا من خلال دعم وتشجيع ابرز القوى المؤثرة في المجتمع ضمن هذا التحول وبما يلبي الاحتياجات المتسارعة لهم، كون الأنظمة الديمقراطية ترتبط بصورة مباشره بمنظمات المجتمع المدني التي لابد من دعمها وتعزيز دورها الحقوقي والديمقراطي والتنموي في المجتمع. الأمر الذي أولته وزارة حقوق الإنسان أهمية بالغة من خلال عقد المؤتمر الوطني الأول لحقوق الإنسان في اليمن بهدف قراءة شاملة لأوضاع حقوق الإنسان في بلادنا وتحديد رؤية مستقبلة لتعزيز حقوق الإنسان من خلال مراجعة شاملة لسجل بلادنا في هذا المجال وتحديد أوجه القصور التي صاحبة مسيرة بلادنا في هذا المجال واقتراح المعالجات المناسبة لها، وتعزيز عمل آليات الحماية الوطنية في مجال حقوق الإنسان و تطوير رؤية مستقبلية لتعزيز حقوق الإنسان في بلادنا وتأتي أهمية المؤتمر من اعتباره فرصة لالتقاء كافة الأطياف المعنية لحقوق الإنسان في بلادنا لتناقش وتشخص واقع الحال وتحدد رهانات المستقبل وتطور أساليب فعالة تعزز حقوق الإنسان.
إن تقديم ورقة العمل هذه (واقع منظمات المجتمع المدني الحقوقية ومستوى الشراكة بينها وبين الحكومة) والتي نتطرق فيها إلى مستوى حرية المجتمع المدني والجمعيات الأهلية من منظور الدور الموكل إليها في التنمية والتقدم والتطور الديمقراطي وتعزيز حقوق الإنسان في المجتمع، وبالتالي القيود المفروضة عليها والتي تحول دون أدائها لهذا الدور. و من ثم تأتي هذه الورقة لطرح العوائق والعيوب التشريعية والعملية إمام حرية منظمات المجتمع بشفافية ، كما تنطلق هذه الورقة من الإطار النظري إلى تشخيص مشاكل الواقع العملي وتحديد أبرز الصعوبات والتحديات التي تواجه منظمات العمل الأهلي في اليمن. وتخلص الورقة في النهاية إلى بعض الملاحظات والتوصيات الختامية حول حرية المجتمع المدني الذي تفرضه متطلبات الواقع وسلبيات التجربة، مضيفة بذلك لبنة جديدة في إطار النقاش البناء حول دور المجتمع المدني، لذلك فإن هذه الورقة تهدف إلى تقديم رؤية وتصور آخر للمسئولين والمهتمين بدعم عمل المنظمات الغير حكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان لإقامة التوازن في المجتمع بين البنى المختلفة وحمايتها من التشوه والتدهور. إن الإشكاليات التي تواجهها منظمات المجتمع المدني اليوم هي تحديات مجتمع بأكمله ،بكل ما يقتضه ذلك من الارتقاء بأداء الدولة والمجتمع الأهلي إلى مستوى تحولات وإكراهات الواقع الوطني والدولي وما يستلزمه من إرادة سياسية للنهوض بحقوق وحريات المواطن وضمان كرامته وحمايته من التجاوزات والانتهاكات، ضمن مشروع مجتمعي تتداخل فيه المكونات والضمانات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية والثقافية. وهذا ما يجعل منظمات المجتمع المدني مع ذلك تساهم بقوة - رغم كل التحديات التي تواجهها- في وضع لبنات هذا المشروع والدفاع عنه، كما أنها مطالبة بالتقييم المستمر لأدائها ومتطلبات بلورة شعاراتها ومبادئها ضمن بنياتها حتى توفر الأطر المؤهلة للاضطلاع برسالتها دفاعاً ونهوضاً وتعميماً لقيم وممارسات جديدة، وهذا ما يستدعي بلورة الرؤى والخطط الملائمة لتقوية الأداء وتعزيز مكانة العمل الأهلي في معركة البناء الديمقراطي المنشود.
وتتضمن ورقة العمل هذه المحاور التالية :
 سقف الحرية لمنظمات المجتمع المدني في اليمن.
 انجازات منظمات المجتمع المدني.
 الشراكة بينها وبين الحكومة.
 التحديات والصعوبات التي تواجه منظمات المجتمع المدني.
 تقييم حالة حقوق الإنسان.
 تصورات اتجاهات العمل القادم مع منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى التوصيات والمراجع .



أولاً : سقف الحرية لمنظمات المجتمع المدني في اليمن
أ- حرية النشأة و التأسيس
على الرغم من إقرار اليمن عبر الدستور بالتزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان والتزامها بضمان الحقوق التي تشملها الشرعة الدولية وعلى رأسها الحق في التنظيم والذي يشمل حرية إنشاء ونشاط منظمات المجتمع المدني وكفالة الدولة بالدعم لإنشاء وتطوير مزيد من مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات المستقلة لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية. إلا أن القانون رقم (1) للعام 2001م، بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية والذي صدر بعد فترة تجاوزت التسع سنوات جاء مناقضا لما جاء في الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة عليها اليمن والمصادقة عليها فالقانون لا يعترف بحرية إنشاء المنظمات والمؤسسات الأهلية ولا يتيح لها حرية النشاط رغم ما تضمنه من أهداف والتي تمثلت وفقاً للمادة رقم (3) منه بالآتي :
1- رعاية الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتشجيعها على المشاركة في مجال التنمية .
2- ترسيخ الدور الرئيس الذي تلعبه الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مجال التنمية وتطوير النهج الديمقراطي وقيم المجتمع المدني المسلم .
3- توفير الضمانات الكفيلة بممارسة الجمعيات والمؤسسات الأهلية لأنشطتها بحرية واستقلالية كاملة وبما يتلاءم مع مسؤوليتها الاجتماعية .
4- توسيع نطاق أعمال البر والإحسان وتعزيز التكافل الاجتماعي في أوساط المجتمع .
5- تبسيط الإجراءات وتسهيل المعاملات المتعلقة بالحق في تأسيس الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتمكينها من أداء رسالتها على الوجه الأكمل .
لكن هذه الحقوق تسقط في نفس القانون ولائحته التنفيذية إذ إنه ووفقاً للمواد رقم (8-14) من القانون لا تكتسب المنظمات والمؤسسات والجمعيات شخصيتها الاعتبارية إلا بموافقة الحكومة والترخيص لها من قبلها ولا يتم التسجيل إلا بإشعار بنكي لإيداع المبلغ المخصص للتأسيس بحسب المادة رقم (7) من اللائحة ويحظر على المنظمة أو المؤسسة ممارسة نشاطها إلا بعد استكمال إجراءات التسجيل وما تبقى من حقوق مكتسبة وفقا للقانون تسقطه الإدارة الحكومية عبر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل على مستوى الممارسة في الواقع فالملموس في الميدان ومن خلال التجارب العملية لعدد من نشطاء المجتمع المدني وحقوق الإنسان أن الوزارة تتعامل بمعايير مزدوجة عبر منح مؤسسات ومنظمات مجتمع مدني تراخيص بشكل عاجل لأشخاص موالون للمسئولين عن الوزارة بينما تعيق الآخرين، كما أنها لا تقوم بمنح مقدم طلب التسجيل سند استلام الوثائق المقدمة من طالب التأسيس وترفض قبول طلبات لمنظمات معنية بحقوق الإنسان والإعلام كما تقوم بالاعتراض على البرامج واللوائح الداخلية الخاصة بالمنظمات ومسمياتها إضافة إلى فرضها لإجراءات تفرض عليها أعباء مالية مثل إيداع مبلغ مليون ريال لدى بنك تحدده الوزارة.... الخ.

ب- حرية النشاط
حيث تخضع غالبية المنظمات الفاعلة لكثير من الصعوبات والعوائق في الميدان بدء من التضييق عليها وحجب الدعم المالي عنها حيث لا يقدم لها شيء من قبل الحكومة إضافة إلى الضغط عليها عبر وسائل عديدة أبرزها اشتراط التجديد السنوي للتراخيص وعادة ما تلمس مثل هذه الممارسات تجاه أنشطة وحركة المنظمات البارزة خاصة المعنية بتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية ومن ذلك ما حدث مع الهيئة الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات هود والتي لم يسلم لها ترخيص إلا بعد سنوات بحجة وجود أوامر عليا بحجب الترخيص عنها ومن ذلك أيضاً ما تعرض له كل من منتدى الشقائق والمرصد اليمني لحقوق الإنسان والذين لم يتمكنا من تجديد التراخيص الخاصة بها إلا بعد معركة طويلة مع الوزارة.
ثانياً : انجازات منظمات المجتمع المدني
فقد شهد المجتمع اليمني تطورا جديدا بظهور منظمات المجتمع المدني تمثل هذا التطور بدخول لاعبين جدد من خلال هذه المنظمات والتي تنوعت في تكويناتها ومجالات اختصاصها بين جمعيات أهلية وخيرية ومؤسسات ومنظمات اجتماعية وحقوقية وتنموية وانطلاقاً من ذلك فأنه يمكن إبراز انجازات المنظمات والمؤسسات في الآتي :
• تعزيز حالة الشراكة المجتمعية والتعاون بين أفراد المجتمع وتقديم الكثير من الخدمات التي لبت الاحتياجات المادية والصحية والاجتماعية للأسر الفقيرة والمحتاجة والفئات المستهدفة.
• ومن ابرز الانجازات ما نلمسه اليوم من مستوى التطور الحاصل لدى الرأي العام بحقوق الإنسان والديمقراطية والذي جاء كثمرة لجهود المنظمات الحقوقية المعنية بالديمقراطية في مراقبة وتقييم حقوق الإنسان والديمقراطية في اليمن خلال السنوات القريبة الماضية عبر العديد من التقارير والدراسات المتخصصة والمعدة بطرق منهجية علمية حديثة.
• المشاركة في الإصلاحات التشريعية والسياسية وتبني إصدار قوانين جديدة والتي جاءت نتيجة لحملات ضغط ومناصرة من قبل منظمات المجتمع المدني ومنها على سبيل المثال حملات التي خصصت لدعم إصدار قانون خاص بحق المعلومة و قانون الصحافة وتعديل قانون الانتخابات وقانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية وغيرها.
• المشاركة في انجاز متطلبات التحول الديمقراطي وضمان حقوق الإنسان عبر تقديم الدراسات والرؤى حول الإصلاحات المطلوبة والتي شملت مختلف المجالات وتقديم الخلاصات بأبرز الإصلاحات المطلوبة.
• دعم ممارسات المواطنين لحقوقهم المكفولة خاصة الحق في التجمع السلمي والتنظيم وكشف الانتهاكات التي طالت المشاركين فيها وتقديم خدمات الحماية والدفاع القانونية لهم ومناصرتهم.
• تقديم خدمات التدريب والتأهيل ورفع القدرات والمهارات للمنظمات الناشئة ونشطاء حقوق الإنسان.

ثالثاً : الشراكة بين منظمات المجتمع المدني والحكومة
إذ إنه ومن خلال الشراكة العملية فأننا نجد انه لا توجد علاقة شراكة وتعاون بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني خاصة في مجال تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية حيث ظلت العديد من الجهات الحكومية تتعامل مع منظمات المجتمع المدني استناداً إلى مواقفها من السلطة ومدى ولائها لها وترى في المنظمات الحقوقية شرا لا يمكن القبول به والتعامل معه.
كما توقفت الشراكة مع جهات أخرى عند مستوى التغطيات الإعلامية (صحفية كانت أو تلفزيونية)، وباختصار فأنه يمكن القول بان العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والحكومة توقفت عند كونها علاقة وصاية من قبل الأخيرة وغياب لمستوى التعاون في معظم الفعاليات وعدم اعتراف بالشراكة.
رابعاً : التحديات والصعوبات التي تواجه عمل منظمات المجتمع المدني
حيث يمكننا إيجاز أهم المشكلات والمعوقات التي تواجه منظمات المجتمع المدني اليمنية والتي تؤثر في أدائها لدورها المطلوب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وحماية حقوق الإنسان والديمقراطية بالاتي :
1- على المستوى التشريعي
وتتمثل الصعوبات والمعوقات في هذا الجانب بتضييق مساحة الحرية في نشأة ونشاط منظمات المجتمع المدني وغياب الالتزامات القانونية على الدولة في دعم وتسهيل تمويل المنظمات وبنائها.
2- على المستوى التنظيمي والمؤسسي
تعد منظمات المجتمع المدني اليمنية منظمات حديثة قياسا بمثيلاتها في الدول المتقدمة صناعيا والتي تخطى عمر بعضها قرنين من الزمان، وبالتالي فهي منظمات قليلة الخبرة والتجربة مما يجعل أداءها دون الطموحات المنشودة، ويتضح قصور منظمات المجتمع المدني اليمنية من الناحية التنظيمية والمؤسسية بالآتي :
أ- ضعف الهياكل التنظيمية واختلالها إذ تعاني أغلب منظمات المجتمع المدني في اليمن من ضعف هياكلها التنظيمية واختلال في توزيع الأدوار داخل المنظمة والتنسيق بين مختلف مكونات الهياكل التنظيمية الأمر الذي يحول دون تحقيق الأهداف المرجوة ويعيق اتخاذ القرارات المناسبة.
ب- ضعف في توزيع الموارد البشرية المؤهلة حسب متطلبات الوظائف المطلوبة ضمن الهياكل التنظيمية.
ج- ضعف وانعدام الاستقلال المالي للمنظمات.
د- محدودية الانتشار على المستوى الجغرافي حيث تتركز في عواصم المدن.
ه- غياب آليات البناء المؤسسي والاعتماد على العمل العشوائي والفردي في كثير من الأحيان ونقص الخبرة في إدارة المؤسسات.
و- غياب الشفافية والممارسة الديمقراطية داخل مؤسسات المجتمع المدني نفسها وهو ما يضر بسمعتها ويفقدها المصداقية لدى الناس.
ز- غياب التخطيط الاستراتيجي إذ أن أغلب منظمات المجتمع المدني اليمنية تفتقر في له في معظم نشاطها.

3- على مستوى التنسيق والشراكة
حيث يلاحظ في هذا الجانب إن الصعوبات والتحديات تكمن في ضعف وغياب التنسيق والتعاون والتشبيك بين منظمات المجتمع المدني وتدني مستوى القبول المجتمعي لها والتعاون معها إضافة إلى انعدام علاقة الشراكة بينها وبين الحكومة.
خامساً : تقييم حالة حقوق الإنسان
شهدت السنوات الماضية تدهورا كبيرا في مجال حقوق الإنسان حيث بدا بوضوح مؤشرات زيادة الانتهاكات والتعطيل لممارسة الحقوق والحريات الأساسية كان الأبرز منها الانتهاكات التي طالت الحق في التجمع السلمي وحرية التنظيم وحرية الرأي والتعبير والحق في محاكمة عادلة والحق في الوظيفة العامة وغيرها من الحقوق اللصيقة بها وقد ارتكز معظم هذا التدهور في المحافظات الجنوبية.
ومع ولوج الثورة الشبابية الشعبية السلمية ازدادت هذه الحالة تدهوراً، وشهدت الحريات الأساسية المكونة للديمقراطية تراجعاً كبيراً وتجلت معها مسؤولية السلطات الرسمية عن هذا المستوى من التراجع بطريقة أو بأخرى حيث كشفت الأحداث التي شهدتها بدايات الثورة الشبابية الشعبية السلمية عن السياسة المعتمدة لدى السلطة في استخدام العنف والاستخدام المفرط للقوة وغيره من الممارسات لأعمال الخطف والاعتقالات خارج القانون والاختفاء القسري ومرد هذا النهج هو مسعى الاحتفاظ بالسلطة واحتكار الثروة وعدم القبول بالتغيير لقد ترتب عن انتهاك الحق في التجمع السلمي انتهاك طائفة واسعة من الحقوق الأساسية الأخرى وعلى رأسها الحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية والحرية والأمن الشخصي بسبب تعرض التجمعات السلمية لأعمال القمع بوسائل عنيفة حيث سقط المئات من القتلى وآلاف من الجرحى والمصابين جراء الاستخدام المفرط للقوة من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في مواجهة المواطنين المسالمين عبر إطلاق الرصاص الحي وبشكل مباشر باتجاه التجمعات السلمية والقنابل المسيلة للدموع والتي احتوى بعضها على مواد سمية إضافة إلى الدفع بأعداد كبيرة من المسلحين القبليين المستأجرين للقيام بأعمال البلطجة والقناصة بأزياء مدنية للدخول في مواجهة المشاركين في المسيرات السلمية والاعتداء عليهم، إضافة إلى مسئولية النظام آنذاك عن الممارسات الأخرى والتي شكلت في بعضها شكلاً من أشكال العقوبات الجماعية عبر قطع خدمات الكهرباء والمياه والخدمات الصحية ومنع وصول المشتقات النفطية والمواد التموينية وغيرها.
ورغم توقف ممارسات السلطة بعد انتقال السلطة في اليمن وتشكل حكومة الوفاق إلا حالة حقوق الإنسان لم تشهد تطوراً كبيراً فما تزال الانتهاكات مستمرة ولم يتغير مسلك حكومة الوفاق تجاه بعض المطالب الحقوقية والمظالم عن مسلك حكومة النظام السابق، خاصة تجاه بعض المشاركين في بعض التجمعات السلمية وقمع فعالياتهم ومنعهم من إقامتها أمام مجلس الوزراء وإصدار قرارات بمنع الإضرابات الاحتجاجية للمطالبة بالحقوق، ولم يقف الأمر عند مسئولية الحكومة عن ذلك، بل تعداه إلى بعض القوى المشاركة في الثورة الشبابية السلمية والوحدات العسكرية المنظمة لها، حيث تم رصد العديد من الانتهاكات بحق مواطنين خاضعين لمسئوليتها.
سادساً : تصورات اتجاهات العمل القادم مع منظمات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان
إن الانطلاق لوضع تصورات لاتجاهات العمل القادم، تتحدد من خلال مستوى منظمات المجتمع المدني التي نعنيها هنا، وهي المنظمات الدفاعية، أي المنظمات التي تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان والمرأة وحقوق الطفل. إن هذه المنظمات تأخذ شرعيتها من حالات غياب الحقوق أو من عدم تطبيقها، وتعمل كآليات حوار وتفاوض وضغط مع الحكومات وعليها .وهنا ينبغي أن ندرك ضرورة وجود صعوبات في عمل هذه المنظمات في ظل الوضع الراهن للحقوق، ولكن عملها سيظل مهماً حتى في هذه الظروف الصعبة، وهو مطلوب بذاته لتحسين آليات إدارة الدولة للمجتمع، وبالتالي المساهمة عن طريق الحوار والتفاوض في الاستقرار السياسي للمجتمعات، وقد تكون هذه المنظمات معنية بتحويل النضال )الصراع( الجاري في المجتمع اليمني، إلى نضال مدني حقوقي عبر آليات الحوار والديمقراطية، باعتبارها تمثل الأساس الموضوعي وصمام الأمان لعدم تحول النضال المدني إلى عنف سياسي. وهنا ينبغي التأكيد على دور الجهات المانحة للإسهام في دعم البرامج التي تستهدف المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان سواءً على المستوى المركزي أو على مستوي المحافظات، والمشاركة في خلق بيئة تعزز التنسيق وتبادل الخبرات بين هذه المنظمات، واعتماداً على هذه الرؤية، فإن آلية التنسيق بين المنظمات الحقوقية من أجل حقوق الإنسان ينبغي أن يتكامل، والعمل من أجل التنسيق على المستوى الوطني وإقامة التحالفات والشبكات لما تشكله من قوة ضغط هائلة وقدرة على التأثير على الرأي العام، ويمكن هنا أن تساهم عدة جهات مانحة، في دعم تأسيس شبكات قطاعية تعنى بحقوق الإنسان أسوةً بالشبكات الأخرى المتواجدة، كما يجب على الحكومة أن تقوم بدعم ذلك، وتؤكد بأن هناك توجه حكومي للشراكة مع منظمات المجتمع المدني ودعمها عبر تحريك هذه المؤسسات والضغط لتفعيل أدائها.

 

التوصيات :
• الانطلاق من النظرة التكاملية للحقوق عند التنسيق مع المؤسسات المعنية بالحقوق والحريات وعلى مختلف المستويات.
• دعم الكيانات المتواجدة حالياً لمنظمات المجتمع المدني، والاستفادة من الهيئات المتواجدة في المنطقة.
• تشجيع ودعم تأسيس منظمات مجتمع مدني متخصصة في مجالات حقوق الإنسان، وكذلك الاتحادات والائتلافات على المستوى الوطني وتطوير منظومة القوانين التي تنظم عملها.
• إعداد قاعدة بيانات بمنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية والهيئات الدولية العاملة في مجالات حقوق الإنسان، والمرأة، والطفل.
• تشجيع البحوث والدراسات المتخصصة في قضايا حقوق الإنسان والمرأة والطفل، وإعطاء اهتمام بالبرامج الهادفة لنشر الوعي في هذه الجوانب.
• التعريف بالوثائق الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان والمرأة والطفل، وعقد دورات معرفية للكوادر والنشطاء والمؤسسات ذات العلاقة.
• عقد دورات )إقليمية( للمنظمات الحقوقية لتبادل الخبرات والتعريف بتقنيات العمل في مجالات الرصد والمتابعة والمشاركة والتفاوض.
• إدخال تعليم حقوق الإنسان في المناهج التعليمية وخلق شراكة مع منظمات المجتمع المدني في هذا المجال.
• التأكيد على أهمية خلق شراكة بين منظمات المجتمع المدني بمختلف تخصصاتها وأهدافها وبين الحكومة والتنسيق بينها عبر آليات جديدة وفاعلة ودعم هذه العلاقة وزيادة التفاعل بين أطرافها.
• ضرورة توسع عمل المنظمات الدولية المانحة بحيث يشمل المحافظات والمجتمعات المحلية والتعاون مع منظمات المجتمع المدني في هذه المحافظات.

المراجع :
1- دستور الجمهورية اليمنية.
2- قانون الصحافة والمطبوعات.
3- القانون رقم (1) لسنة 2001م، بشأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
4- عابد الجابري، المجتمع المدني (المعنى والمفهوم)، منتدى ليبيا لحقوق الإنسان www.Libyapronm.
5- حسنين توفيق، بناء المجتمع المدني، المؤشرات الكمية والكيفية، ندوة المجتمع المعدني والتحول العديم قراطي في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1.
6- سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي ، تقديم سلسلة دراسات مشروع المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في الوطن العربي صادر عن مركز ابن خلدون للدراسات بالاشتراك مع دار الأمين للنشر،1995م ، القاهرة .
7- مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، دار - أماني قنديل، عملية التحول الديمقراطي في مصر 1995م.
8- العياش نصر، المجتمع المدني (المفهوم والواقع) الجزائر نموذجاً، في رواق عربي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، العدد (22)، القاهرة،2110 ، ص46.
9- تقرير التنمية البشرية الصادر عن وزارة التخطيط اليمنية 2010م.
10- تقرير المرصد اليمني لحقوق الإنسان 2009م.
11- تقرير المرصد اليمني لحقوق الإنسان 2010م.
12- تقرير المرصد اليمني لحقوق الإنسان عن أحداث 2011م، للفترة من يناير وحتى أغسطس.
13- مستقبل العمل الأهلي في اليمن كتاب القسطاس (11).
14- واقع منظمات المجتمع المدني د. محمد المخلافي ود. عبد الباقي شمسان، صادر عن مركز المعلومات والتأهيل.
15- التقرير السنوي الثالث للمنظمات الأهلي النص الشبكة العربية للمنظمات الأهلية 2003م
16- القسطاس، مجلة متخصصة تعنى بالثقافة القانونية والمجتمع المدني (53)، يوليو - سبتمبر 2004م، صنعاء.
17- القسطاس، مجلة متخصصة تعنى بالثقافة القانونية والمجتمع المعدني (54)، يناير – مارس 2005م.
18- المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، المجتمع المدني في اليمن، ترجمات عن اليمن والجزيرة العربية أغسطس 2001م، العدد (7).
19- دور منظمات المجتمع المدني في حماية حقوق الإنسان محمد الطراونة.
20- دور المنظمات غير الحكومية في حماية حقوق الإنسان د محمد نور الدين.

دعماً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل أطلقت وزارة حقوق الإنسان:

 ــ وثيقة رقم (1) حقوق الإنسان في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل:عبارة عن دراسة تحليلية تُبرزُ بشكلٍ خاص وَمُركز سياق حقوق الإنسان ضمن القرارات النهائية لمؤتمر الحوار الوطني ـ في إطارٍ يُمكن الإستناد اليه كمرجعية لمضامين حقوق الإنسان بأطرها المؤسسية وَالقانونية والقضايا والإتجاهات العامة في سياق نصوص مخرجات الحوار وَالفئات ذات الإرتباط وَمكون الشراكة مع مختلف القطاعات الفاعلة في المجتمع، كما تُقدم الوثيقة رؤية لأولويات الحقوق وَالحريات في الإطار الدستوري المرتقب. 

 ــ وثيقة رقم (2) الإطار الدستوري للحقوق وَالحريات: عبارة عن تصور نوعي لإطار حقوق الإنسان وَالحريات العامة ويتضمن الإطار المقترح مجموعة الحقوق الأساسية لمختلف الفئات ووسائل وضمانات إحترامها وتعزيزها وقد تم تخصيص هذا الإصدار في إطار الدعم الفني للجنة صياغة الدستور. إقرأ المزيد

 النسخة العربية

 النسخة العربية 

 English version  English version

 

 

سجل في نشرتنا البريدية، وكن أول من تصله آخر الأخبار
الجمهورية اليمنية - وزارة حقوق الإنسان
جميع الحقوق من صور و نصوص و مواد خبرية محفوظة لوزارة حقوق الإنسان © 2013