أنت هنا: الرئيسية موضوعــات حقوقيــة كتــب الغرب والعرب وحقوق الإنسان

الغرب والعرب وحقوق الإنسان

كتاب
الغرب والعرب وحقوق الإنسان
د. غانم النجار
أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

 

تمهيــد
إن أي حديث عن حقوق الإنسان، وبالذات في هذه الحقبة التاريخية الحرجة من تطور العالم، والذي تشهد فيه العلاقات الدولية مضاعفات سقوط النظام الدولي القائم على القطبية الثنائية، وانتهاء ما سمي بالحرب الباردة، وبروز معالم لنظام آخر من الصعب التكهن بمعطياته، إن أي حديث عن حقوق الإنسان في هذه الحقبة، لابد وأنه سيتأثر بالضرورة بتلك التطورات، بل وتتداخل في ذلك الحديث القضايا الخاصة بالعامة بشكل لافت للنظر. ولذلك فإنه من المفيد عند ولوج هذا الموضوع، أن نسعى لتأصيل الإشكاليات التي تواجه التعامل مع قضية شائكة كحقوق الإنسان، التي نتج بعضها من تحولات جارفة في بنية العلاقات الدولية، كما نتج بعضها من وضعية التقاطب الثقافي العالمي، كما نتج بعضها الآخر من الثقافة العامة السائدة في الغرب وانعكاس ذلك على المفاهيم العربية والإسلامية بشكل عام. وعلى هذا الأساس فإن الهدف من هذه الدراسة المختصرة هو إثارة المفاهيم والأسئلة على هامش هذه التحولات، وطبيعة الحوارات الدولية حول حقوق الإنسان، وتسليط بعض الضوء على حالة وطبيعة تطور المجتمعات الخليجية ونمطها الاقتصادي. وتخلص الورقة إلى أن الصراع حول حقوق الإنسان والانتصار لها هو صراع ليس قائماً بين الشرق والغرب، أو بين الغربيين من جهة والشرقيين من جهة أخرى فحسب، بل إنه صراع بين المعسكر الإنساني والمعسكر النفعي في المجتمعات الغربية ذاتها أيضاً، وينعكس ذلك على الصراع السياسي بين الشرق والغرب.
ويتضح أن ذلك الصراع ينعكس بأشكال مختلفة على منظور الثقافة العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، والتي تحكمها تراثيات وأنماط تفكير قديم ضارب في عمق الثقافة المكونة لأي مجتمع في هذه المنطقة، وبعضها أحدث وأكثر ارتباطاً بواقع نشأة الدولة العوبية الحديثة، وعند اقترابنا أكثير من المجتمعات الخليجية نجد ذلك أيضاً مرتبطاً بنمط الإنتاج السائد، ومكونات العقلية الاستهلاكية الناتجة من توفر مداخيل عالية من النفط، التي أنتجت وخلقت الدول الريعية.


ماذا نقصد بحقوق الإنسَان؟
تعالج مفاهيم حقوق الإنسان بمعناها العام جداً مفاهيم قديمة قدم البشرية، ارتكزت بشكل أساسي على الانتصار للمظلوم وتثبيت مبادئ العدالة وترسيخها، ورفض الظلم أياً كان مصدره. وقد عززت الأديان بشكل عام، والسماوية بشكل خاص، هذه المبادئ والمفاهيم من خلال النصوص والممارسة. وقد كانت تلك التطورات تحدث في إطار عموم البشرية دون تخصيص زماني أو مكاني، بل إنها ترحل عبر التاريخ وعبر الجغرافيا دون توقف، فتجد الكثير من تلك المبادئ وقد انتشرت في أماكن مختلفة من العالم، وتجدها وقد تخطت وتجاوزت أعمار باعثيها والداعين لها. وكان ذلك يحدث في زمان لما تتحدد فيه شخصية الدولة، ولا ماهيتها، ولم تكن فيه شخصية المواطن- كما نعرفها اليوم - محددة المعالم والتضاريس، ولما تتضح علاقة متكاملة ضمن هيكلية واضحة بين المواطن ودولته. وكان أن حدثت في الفترة الواقعة ما بين الحربين الكونيتين أن تطورت بنية الدولة الحديثة تطوراً ملحوظاً إثر انهيار وتفكك الإمبراطوريات، وبرزت إلى الوجود كيانات سياسية جديدة في دورها الذي تلعبه ضمن منظومة العلاقات بين الدول، وبالذات في إطار العلاقة المتبادلة بين بنية وهيكلية الدولة الداخلية، وبين محيطها الخارجي.
وعندما نشأت عصبة الأمم كانت إيذاناً ببدء حقبة تاريخية جديدة تحكم العلاقات بين دول جديدة تعرف حدودها داخلياً وخارجياً بشكل مستفيض. فكان أن شجعت تلك الظاهرة المزيد من الدول على رفع أعلام وعزف نشيد وطني وسك عملة ذاتية وما إلى ذلك، في وقت لم تكن تلك الدول تتخيل مجرد خيال بأن تلك الرقعة الجغرافية ستكون دولة متكاملة البنية في يوم ما. وهكذا، عندما تطورت عصبة الأمم لتصبح من بعدها هيئة الأمم، أخذت فكرة الدولة الحديثة بالتكون والتبلور بصورة نهائية، وطفت على السطح مفاهيم كالسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحماية الاستقلال الوطني، فكان أن اتجهت العديد من الدول لمفهومها الحديث، وبالذات أن الكثير منها كان قد استقل عبر نضال ضد مستعمر أو احتلال، إلى "تثبيت" سيادتها الوطنية على "كامل ترابها" عن طريق التعدي على مواطنيها ومنعهم من حرية التعبير، وكان مبرر ذلك هو "مشروعية احتكار القوة في يد الحكومة"، وهو مفهوم حديث، في وجه أي تعد على السيادة الوطنية، أو إخلال بالنظم أو الأمن العام وما إلى ذلك. وقد أدى هذا الأمر إلى تفاقم حدة التعدي المُنظَّم من قبل السلطة على "رعاياها" الجدد، "المواطنين"، مانعة إياهم من إتيان أي فعل يعتقد بضرره على السلطة وكيانها وهيبتها. وقد أدت زيادة الدول الحديثة بشكل سريع إلى المزيد من حالات التعدي المنظم على الأفراد بذات الحجج وذات المبررات. وكان أن أدى هذا الأمر إلى اتفاق الدول المكونة لهيئة الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948 وعبر الجمعية العامة، بأن تصدر إعلان مبادئ تمت تسميته بـ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، ليصبح بذلك الوثيقة الأهم في بداية تلك النقلة التاريخية في المسيرة البشرية. ولا تأتي أهمية تلك الوثيقة من المبادئ التي تضمنتها فحسب، ولكن تنبع أهميتها من كون الذين أصدروها يمثلون الجهات المتهمة بانتهاكات حقوق الإنسان ألا وهي الحكومات، وهنا تعزَّز بشكل واضح مفهوم حقوق الإنسان على النحو التالي:
السلطة التنفيذية أو الحكومات، تقع عليها المسؤولية المطلقة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث ضمن الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها تلك الحكومات، وبالتالي تسقط بموجب ذلك المفاهيم العامة لانتهاكات حقوق الإنسان، والمرتكزة على مفاهيم الخير والشر العامين، وتتركز المسؤولية على جهة ارتضت لنفسها أن تكون مسيطرة على رقعة جغرافية معينة ومسؤولة عن تنفيذ تشريعاتها، وبالتالي بات ضرورياً عدم الخلط بين مسؤولية الجهات. أما البند الثاني في المفهوم، فهو أن المبادئ العامة لحقوق الإنسان أصبحت محددة واضحة ومنصوصاً عليها، وهي نصوص تم استقاؤها من حصيلة التطور البشري المستند إلى كافة التجارب الإنسانية عبر التاريخ والشرائع السماوية وغيرها، والتي تصب بشكل أساسي على أن للإنسان قيمة مطلقة وليست نسبية، وهي حقوق إنسان غير قابلة للتجزئة أو التأويل فهي تبدأ من الإنسان وتنتهي به. أما البند الثالث في مفهوم حقوق الإنسان فهو تحديد طبيعة العلاقة بين الحكومة والمواطن (الإنسان) في أي مجتمع سياسي، وعالمية تلك العلاقة وقابليتها للتطبيق. وقد نشأ من جراء ذلك المفهوم الكثير من النصوص الأخرى المشتقة من هذا المنبع، بل إن اتفاقيات كثيرة تطورت في درجة إلزامها على الدول، كما نشأت مثظمات حكومية وشبه حكومية وغير حكومية لمتابعة ورصد ومراقبة التنفيذ والتطبيق لهذه الآليات، فكان أن تعزز ذلك المفهوم لحقوق الإنسان عبر تراث تنظيمي وفكري هائل، مرسخاً بذلك المقصود من ذلك المفهوم، ومع ذلك فقد أوجدت تلك الآليات- ونظراً لتراكم الخبرات - مجالاً للمجتمعات والدول المختلفة لكي تبدي اعتراضها وتحفُّظها على ما تراه مناسباً من تلك الحقوق، سواء لاعتبارات ثقافية أو دينية أوسياسية أو اقتصادية.
وبإلقاء نظرة سريعة على اتفاقيات حقوق الإنسان، نجدها ملأى بالتحفظات على كافة المستويات والأشكال من كافة الدول. وهكذا وجب علينا أن نحدد فهمنا لحقوق الإنسان بأنها مسؤولية الحكومة وليس الأفراد أو التنظيمات الخاصة، كذلك فإن تلك الحقوق محددة بنصوص عامة، كما أنها حقوق محددة العلاقة بين الفرد والحكومة.
ومن هذا المنطلق فإن حقوق الإنسان في هذا الزمان تترجم من خلال تشريع يحفظ تلك الحقوق بموجب الاتفاقيات والمعايير والمواثيق الدولية الإنسانية، وكذلك من خلال تنفيذ يؤدي إلى الحفاظ على مصداقية التشريعات على أرض الواقع. وبالتالي فإن أي خلل يشوب التشريع أو التنفيذ يعرَّف بأنه انتهاك لحقوق الإنسان، ولذلك فإن العقلية الجمعية لأي مجتمع سياسي تؤثر إلى درجة كبيرة في أوضاع حقوق الإنسان وفي أي تكوين سياسي دولي حديث، كما أن ثقافة المجتمع الحديثة والقديمة، ونمط الإنتاج السائد يؤثران إلى درجة كبيرة في رؤية في ذلك المجتمع لحقوق الإنسان وكيفية تفاعله معها.

حقوق عالمية أم خصوصّية ثقافية
وهَل يَصلح الغرَب حَكماً؟

ليست قضية حقوق الإنسان على المستوى الدولي قضيةً سياسية فحسب، فهناك وبالذات في الحقبة الأخيرة، تداول محموم وملحوظ لمدى عالمية هذه الحقوق، ودرجة قابليتها للتطبيق، ومدى "غربيتها" مقابل المجتمعات الأخرى، بل وجدنا البعد الثقافي وقد أصبح ذريعة في أيدي تلك الحكومات المنتهكة لحقوق الإنسان لكي تطلق يدها في انتهاك حقوق مواطنيها وملاحقتهم دون ضغط دولي.
ويبدو أن الأمر الذي فجر ذلك الحوار بل والصراع حول المفاهيم الثقافية، هو "سيولة" وانسيابية وعدم وضوح الوضع الدولي بعد الحرب الباردة، وبدء الدول الغربية بتطبيق ازدواجية ملحوظة في "معاقبة"، الدول حسبما تشاء، الأمر الذي دفع عدداً من دول العالم الثالث إلى الدفع بمفهوم "التغريب" ومحاولة الغرب فرض ثقافته قسريا على شعوب العالم.
ويتركز البعد الثقافي في حقوق الإنسان بطبيعة المرجعية التي تنبع منها حقوق الإنسان، وهل هي حقوق غربية المنبع أم أنها عالمية الأبعاد. ولا يبدو بأن هناك قبولاً مطلقاً لعالمية حقوق الإنسان، وقابليتها للتطبيق حيث تنقسم الفرق هنا إلى فريقين رئيسين، أحدهما واقعي، والآخر ينطلق من مفهوم "نسبية الثقافة"، حيث يرى الفريق الأول عالمية حقوق الإنسان، وقابليتها للتطبيق على كل المجتمعات دون تفرقة، وأنه على الرغم من وجود اختلافات ثقافية بين المجتمعات إلا أنه بالإمكان جداً، وخاصة حين يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، أن تتم معالجة الأمر من خلال تكييف بعض النصوص دون المساس بالمبادئ العامة. أما الفريق الداعي إلى عدم عالمية الحقوق الإنسانية أو "نسبية الثقافة "cultural relativism" فإنه فريق يصر على أنه من غير المقبول القول بعالمية حقوق الإنسان، وأنه لابد أن يترك كل مجتمع يحدد معاييره الإنسانية وقيمه بذاته، ولكلا الفريقين منابره ضمن المعسكر الغربي.
وينتقل صامويل هنتنغتون في مقالة حديثة له بعد مقالته التي أثارت جدلاً واسعاً تحت عنوان "صدام الحضارات"، إلى نقطة جديدة معززاً الانعكاس السياسي على البعد الثقافي، حيث يؤكد على أن الغرب قد تراجعت قدرته بشكل ملحوظ في الضغط على الدول الأخرى، وعلى الأخص ما يتعلق بقضايا حقوق الإنسان، وبالتالي فإنه يدعو الولايات المتحدة لتخفيف ضغطها على دول "الثقافات الأخرى" وتركها تمارس شؤونها كما تشاء. ويدلل على ضعف الدول الغربية في الضغط على الدول الأخرى من خلال استشهاده بما جرى في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، والذي عقد في العاصمة النمساوية فيينا في يونيو 1993، حيث انقسمت المجتمعون إلى قسمين أحدهما يمثل الدول الأوروبية ودول أمريكا الشمالية، والقسم الآخر يمثل نحو 50 دولة غير أوروبية كان منها 15 دولة أكثر نشاطاً منها دولة من أمريكا اللاتينية (كوبا) ودولة بوذية (مينامار) وأربع دول كونفوشستية (سنغافورة، فيتنام، كوريا الشمالية، والصين) وتسع دول إسلامية (ماليزيا، أندونيسيا، باكستان، إيران، العراق، سوريا، اليمن، السودان وليبيا). وقد برزت قيادة هذا التحالف الإسلامي الآسيوي في الصين وسوريا وإيران. وكانت بين هذا التحالف دول متباينة في التوجه السياسي، فمنها من يدعم الولايات المتحدة الأمريكية ويتحالف معها ومع الغرب، كما كان من ضمنها دول أفريقية وأرثوذكسية تدعم أحياناً الغرب، ولكنها في الغالب تعارضه. وكانت الدول الآسيوية قبل انعقاد مؤتمر فيينا بشهرين قد اجتمعت في بانكوك، وأقرت إعلاناً يؤكد على أن حقوق الإنسان لابد أن يتم اعتبارها "ضمن إطار الخصوصيات الإقليمية والقومية والاعتبارات الدينية التاريخية المتنوعة والأطر الثقافية"، كما أقر الإعلان بأن مراقبة أوضاع حقوق الإنسان تمثل انتهاكاً للسيادة. وقد كانت الدول الغربية- كما يبدو- غير مستعدة للمؤتمر، حيث كانت أقل عدداً وبالتالي فقد قدمت العديد من التنازلات، وقد ترتب على هذا الوضع أن جاء الإعلان الختامي للمؤتمر متماشياً مع الحدود الدنيا، وكان أضعف حتى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي كانت الأمم المتحدة قد تبنته سنة 1948.
ولا يتوقف البعد الثقافي- السياسي في الصراع الدائر دولياً حول مفاهيم حقوق الإنسان عند هذا الحد، فالمسألة ليست فقط في الحصول على مكاسب في بعض المحافل الدولية ولكنها في القدرة على إدامة الزخم. كذلك فإن القول بأن الغرب هو الذي أصبح اليوم يمثل المرجعية، والمنافح عن احترام حقوق الإنسان لابد وأن يخضع لمزيد من التمحيص، فللغرب تاريخ سيئ وسجل أكثر بشاعة في انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذ لك أنواع التعذيب وصنوفه والإبادة الجماعية والتصنيفات على أسس دينية والعنصرية، وقرون ممتدة من الرق والعبودية، إضافة إلى سجل امتلأ باضطهاد السكان الأصليين للمناطق التي استعمرها الغرب، إضافة إلى دعم الغرب في الحقب المتأخرة لدول ذات سجل دام ومروع في انتهاكات حقوق الإنسان تحت مبررات المصلحة والحرب الباردة وما إلى ذلك. فهل يستطيع الغرب ببساطة أن يؤدي دوره المؤمل منه، ويقوم بدور القاضي والحكم في تحديد الانحرافات والمنحرفين عن حقوق الإنسان والحفاظ عليها في دول العالم الثالث؟ وتساق ضمن هذا الإطار أمثلة عديدة تمثل التناقض الغربي حيال هذه القضية، ففي حين نجد المحافل الغربية الرسمية لا تدخر وسعاً في فضح الممارسات الحادثه في إيران تجاه حقوق الإنسان، وجدناها قد صمتت صمتاً مطبقاً على أصناف تلك الممارسات إبان حكم حليفها شاه إيران محمد رضا بهلوي، كما تكرر نفس السكوت عن ممارسات ضياء الحق الرئيس الباكستاني إبان فترة حكمه، وكذلك نفس السكوت عن جعفر نميري الرئيس السوداني خلال فترة حكمه، على الرغم من أن الاثنين كانا يطبقان حينها برنامجاً لأسلمة البلاد.
إلا أنه من المهم التأكيد على أن ما ذكرناه لا يعني إيجاد مبررات لانتهاكات حقوق الإنسان في بلد تحت حجة أن الغرب قد صمت عن انتهاكات تحدث في بلد آخر.
لقد بات واضحاً بأن انتهاكات حقوق الإنسان ودعمها واستمرارها هي قضية عالمية وليست قضية ثقافية، أخذاً بالاعتبار أن المجتمعات تعيش حالة ديناميكية دائمة، وليست حالة ثبات ستاتيكية، وأن الاحتجاج بالخصوصية الثقافية لم يمنع كافة الدول المحتجة بذلك الأمر من الدخول في الكثير من المواثيق الدولية سواء في مجال حقوق الإنسان أو خلافه، ودخولها كذلك تحت إطار ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي دون تردد، على الرغم من "غربية" ذلك القانون وذلك الميثاق.
كما أن ذلك القانون الدولي والمعايير ومواثيقها لم يمنع الدول صغيرها وكبيرها، شرقيها وغربيها من انتهاك حقوق الإنسان سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بل إن العديد من الدول الغربية قبل دول العالم الثالث، قد مارست أشكالا من الدعم والمساهمة المباشرة في انتهاكات حقوق الإنسان، وسجل التاريخ المعاصر متخم بذلك الدعم وتلك المساهمات المخجلة. ولئن كانت الحجج التي تساق في اتجاه "الخصوصية" ضد "العالمية" تجد وزناً، فإنه بالإمكان التعامل والتكيف مع تلك الخصوصية بأشكال وصور مختلفة، دون الإضرار بها أو بالدين أو بالقيم السائدة في كل مجتمع على حدة. بل إنه يتضح بأن ازدياد استخدام "الخصوصية" الثقافية من قبل دول العالم الثالث في الحقبة الأخيرة لم يكن بسبب "الإخلاص" الثقافي أو الالتزام الزائد من قبل تلك الدول في وجه الغرب، ولكن بسبب النتائج التي برزت بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث قل اهتمام الغرب في الدفاع عن حلفائه بصورة عامة، أخذا بالاعتبار أن العديد من تلك الدول يتحالف بشكل شبه اندماجي مع الغرب.
من الواضح إذاً أن الدفاع عن حقوق الإنسان يأخذ شكلاً وبعداً واحداً في كافة المجتمعات، فليس هناك بعد ثقافي في التعذيب، كما أنه ليس هناك بعد ثقافي في احتجاز إنسان دون توجيه تهمة ودون جرم اقترفه. فالنضال ضد انتهاكات حقوق الإنسان قضية عالمية، يشترك فيها الغربيون والشرقيون على حد سواء، كما أن المنتهكين لحقوق الإنسان هم من الشرق والغرب على حد سواء، وبالتالي فإن حقوق الإنسان هي قضية عالمية، وسيظل الاختلاف حولها اختلافاً دائماً بين الظالم والمظلوم، وسط أي ثقافة وأي مجتمع وفي أي مكان.

الصراع الإنساني- النفعي (البراجماتي)
في الواقع السياسي الغربي الحديث

هناك غياب ملحوظ كما يبدو لفهم طبيعة الصراع داخل المجتمعات الغربية حول حقوق الإنسان. حيث تتغلب عادة النظرة الاستعمارية الإمبريالية على فهمنا لشيء من ديناميات الصراع الغربي، مما يضيع علينا فرصة لفهم الحالة الغربية بصورة أفضل، والخروج من منظورنا الأحادي. وعلى الرغم من أن الجذور للصراع بين المعسكر "الإنساني" والمعسكر "النفعي" (البراجماتي) في الغرب هي أعمق وأبعد وأشمل مما حاولت الإلمام به مجلة الإيكونومست في دراسة نشرتها مؤخراً، إلا أن المقالة تصلح كمدخل تبسيطي لفهم الحالة الغربية التي نترجمها في بعض الأحيان بالتناقض والازدواجية. ولعل المفيد فيما تناولته الإيكونومست هو التركيز أكثر على الحقبة الدولية السياسية الراهنة، والتركيز على الممارسة السياسية بشكل أساسي. ولعلى المراقب لهذا الأمر لا يرى تشابهاً في وجود مثل ذلك الصراع في المجتمعات العربية وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.
وهناك اعتقاد بأن الحديث حول دعم الساسة لحقوق الإنسان هو عبارة عن هوس حديث يعود إلى أيام الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر. ولكن الحقيقة تكمن في أن حقوق الإنسان تعود إلى أفكار قديمة تم تدعيمها في القرن الثامن عشر في عصر التنوير والثورة الفرنسية، ويؤكد هنري كيسنجر في كتابه (الدبلوماسية) على "أن الدافع الأيديولوجي وراء قيام الجيوش الفرنسية باجتياح أوروبا هو الدفاع عن نشر مبادئ عالمية كالحرية والمساواة والأخوة". وبعد نهاية الحروب بدأ سياسيون محافظون مثل مترنيخ في النمسا وكاسلريغ في بريطانيا بالتأكيد على عزمهم على إعادة فرض النظام والسلام. وكانا يعتقدان بأن الحروب النابليونية هي من النوع العابر الذى يحدث عندما تحاول دول أن تقوم بتصدير مفهوم "حق الإنسان". وبالتالي فإن مفهومها للانضباطية والقانون يتم من خلال توازن القوى والذي يقوم على عدم تحدي كل دولة لشرعية الدولة الأخرى.
وبالتالي فقد نشأ وبصورة سريعة على هذا الأساس اتجاهان في بدايات القرن التاسع عشر أولهما يركز ويهتم بدور الحقوق العالمية للإنسان في صياغة السياسة الخارجية، وثانيهما يهتم بالأمن والانضباطية، ويستمر الاتجاهان حتى يومنا هذا، وبالإمكان وصفهما بالإنسانيين والنفعيين (البراجماتيين).
فالإنسانيون في السياسة الخارجية عادة ما يكونون متفائلين بالتدخل. فهم يؤمنون بأن التاريخ في صف حقوق الإنسان. ولا يفرقون عادة بين الأخلاقيات الشخصية والأخلاقيات العامة. فإذا كان هناك تصرف خاطئ لا يجب فعله من قبل الفرد، فإن ذلك ينسحب أيضاً على الدولة.
وقد كان وليام ايوارت جلادستون زعيم حزب الأحرار، الرمز والنموذج لذلك الاتجاه في بريطانيا القرن التاسع عشر، أما في الولايات المتحدة فقد كان الرئيس وودرو ويلسون منذ 1912 وحتى 1920. وعلى الرغم من كون الرئيسين الأمريكيين السابقين جيمي كارتر ورونالد ريغان مختلفين في أشياء كثيرة، فإنه بالإمكان اعتبارهما ورثة لحماسة ويلسون الأخلاقية، واقتناعه بدور أمريكا الداعم والمؤيد للحرية.
وبالمقابل فإن النفعيين أكثر تشاؤماً تجاه التغير في القضايا الإنسانية، ومقتنعون بأن الدول تعيش ضمن أطر أخلاقية تختلف عن الأفراد. فهم يرون القوة وليس المبدأ محركاً أسياسياً للشؤون الدولية. وبالتالي فإن الدول تسعى جاهدة لتجنب أي نزاع غير مبرَّر. على هذا الأساس فإن انتقاد أية دولة لدولة أخرى بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان قد يكون سبباً لنشوب هذا النزاع. ففي أوروبا القرن التاسع عشر كان يمثلهم المستشار الألماني بسمارك وفي بريطانيا بنجامين دزرايلي الخصم اللدود لجلادستون. أما أمريكا القرن العشرين فقد تمثل النفعيون في الرئيسين تيدي روزفلت وريتشارد نكسون. ولعلى أبرز الممارسين المنظرين في وقتنا الحاضر كان دائماً هنري كيسنجر.
وهكذا وجدنا هنري كيسنجر مثيراً للجدل ضمن ثقافة سياسية متأثرة بالقيم وبالمسار "الولسوني" (وودرو ولسون). فقد أيد المحافظون اتجاه كسنجر الداعي إلى استخداع القوة للدفاع عن المصالح الأمريكية، إلا أنهم تحفظوا كثيراً على مساوماته مع الاتحاد السوفييتي. أما الليبيراليون فقد ارتاحوا من فكرة تحسين العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، ولكنهم بالمقابل أصيبوا بالفزع من طبيعة الأنظمة التي قرر كيسنجر أن يدعمها (شاه إيران وبينو شيت في تشيلي)، ولعل مقولته المشهورة تتردد في الأذهان عندما عقّب على دعم المخابرات المركزية لانقلاب تشيلي على الرئيس اليساري الذي انتخبه الشعب التشيلي سلفادور اليندى عام 1973 بقوله "إننا لن نسمح بتحويل أي بلد للشيوعية بسبب غباء شعبها".
ولعل المعضلة المركزية في السياسة الخارجية الراهنة هي ما يختص بصياغة سياسة تجاه الصين، وهي قضية يلعب فيها كيسنجر دوراً مهماً على الرغم من كونه خارج دائرة الضوء. وهكذا وجدناه أيضاً يدفع باتجاه القول بأن المصلحة تقتضي تطوير علاقة عمل ودية مع الصين، استناداً إلى توازن القوى، فهي أفضل بكثير وأجدى من الضغط لتغيير سياسات حقوق الإنسان في الصين. وتبدو أفكاره واضحة في مقولته تجاه الاتحاد السوفييتي آنذاك، حين أكد على أننا نخطىء عندما نحتجز الوفاق رهينة مقابل تحسن معاملة موسكو لشعبها.
ففي الوقت الحاضر يبدو أن السياسة الأمريكية إزاء الصين تسير في إطار التوجهات الكيسنجرية. حيث يبدو أن الرئيس كلنتون لم يستطع أن يلتزم بتعهداته، فقد جاء متوعداً الدكتاتوريين في العالم من بغداد إلى بكين. إلا أنه يتضح بأنه قد اكتشف مؤخراً أنه لا يستطيع الضغط بالسهولة التي اعتقدها على الصين لتعديل سجلها في حقوق الإنسان. وهكذا فقد أُلغيت محاولة سابقة تربط العلاقة التجارية مع الصين بتحسين سجلها المتعلق بحقوق الإنسان، وذلك استجابه لضغط من رجال أعمال أمريكيين. إلا أن الأمر مع الصين لا يُفَسَّر فقط من خلال المنظور التجاري. فالتهديد باستخدام العنف ضد الصين حول موضوع تايوان قد أوضح لأمريكا حجم الخسائر المتوقعة ودفعها لتحسين علاقتها مع الصين. أما بالنسبة للنفعيين، فإن معضلة كلنتون حول الصين هي معضلة متوقعة. حيث يؤكدون على أنه من السهل التحدث علناً بحقوق الإنسان، واتخاذ موقف حولها، إلا أن الأمر الصعب هو عدم فعل أي شيء.
ولعل أبرز المحاولات التي قام بها رؤساء أمريكيون لوضع حقوق الإنسان بتعريفها العام ضمن مكونات السياسة الخارجية، كانت أيام وودرو ولسون وجيمي كارتر حيث يؤكد تقرير الايكونومست بأن كلاً منهما لم يحقق ما يصبو إليه وأن كليهما ترك الرئاسة محبطاً.
فقد أقنع الرئيس ولسون الأمريكيين بدخول الحرب العالمية الأولى، ولم يكتف بالقول بأن ذلك مهم للمصلحة الوطنية، ولكنه أكد على أن الحرب ستقوم "لجعل العالم أكثر أمناً للديمقراطية"، وبعد الحرب دفع ولسون باتجاه إيجاد نظام دولي جديد، استناداً إلى المنظور التقليدي للقوى الكبرى، مع زيادة التركيز على الأمن الجماعي المشترك والديمقراطية وتقرير المصير.
إلا أن الأمريكان رفضوا لاحقاً الانخراط في عصبة الأمم، والتي كان يراها ولسون مفتاحاً للنظام الدولي الجديد. وعلى الرغم من هزيمة ولسون، فإن معتقداته ورؤاه بأن أمريكا يجب أن تدعم الحريات والديمقراطية وحق تقرير المصير، ظلت سائدة في الخط الأمريكي المعلن ومؤثرة بدرجة أو بأخرى في السياسة الخارجية، حتى ولو كانت على المستوى الإنشائي البلاغي الخطابي. ويتضح أن القفزة الرئيسة لوضع حقوق الإنسان في السياسة الخارجية، كانت على أيام الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي انتخب رئيساً عام 1976. فقد أكد ووعد بإعادة حقوق الإنسان في السياسة الخارجية بعد التدهور الذي أصابها خلال حقبة كيسنجر النفعية. وقد تعرضت جهود كارتر القاضية بالابتعاد عن الحلفاء القمعيين لأمريكا، مثل "شاه" إيران و"ساموزا" نيكاراغوا لضربات قوية، حين حلت مكان النظامين السابقين حكومات معادية علناً للولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن تلك المشاعر المعادية لأمريكا جاءت كردود فعل على السياسة الأمريكية السابقة، التي عمّقت تلك الأنظمة العميقة ضد شعوبها، فإن ذلك لم يشفع لكارتر كثيراً. حيث تعرضت أمريكا لإذلال علني كبير من خلال أزمة الرهائن في إيران، وكذلك زيادة النفوذ السوفييتي في العالم الثالث، مما عزَّز الانطباع القائل بأن سياسة كارتر في وضع حقوق الإنسان ضمن السياسة الخارجية، قد أضعفت أمريكا في الخارج.
وهكذا جاء انتخاب ريغان عام 1980 مؤشرا إلى عودة النفعية البراجماتية بصورتها الحادة للسياسة الأمريكية. إلا أن ريغان كما يبدو لم يكن "براجماتياً" بالمفهوم الكيسنجري اللاأخلاقي الحاد، حيث إنه عارض "الوفاق" منذ البداية. وخلافاً للكيسنجريين الذين لم يفرقوا بين سلوك الاتحاد السوفييتي خارجياً وسلوكه داخلياً، فقد رأى الريغانيون أن أحدهما يرتبط بالآخر.
وتؤكد دراسة الإيكونومست بأن عبارة "إمبراطورية الشر" التي استخدمها ريغان في خطاباته، كانت تتضمن هذا التوجه الذي يتضمن قيما معينة. وبالتالي فإن "مبدأ ريغان" كان يقوم على إضعاف الحكومات المدعومة من الاتحاد السوفييتي من خلال دعم "مقاتلي الحرية" في العالم. وقد أدت السلوكيات غير الديمقراطية "لمقاتلي الحرية" الذين دعمهم ريغان (الكونترا في نيكاراغوا أو المجاهدون الأفغان) إلى طرح الكثير من الشكوك حول جدية ريغان وحكومته، وأن ما يقوم به لا يعدو عن كونه نفس السياسات القديمة متنكرة بزي حملة إنسانية أخلاقية.
إلا أن ريغان وعندما اقتربت نهاية عهده بدأ بالضغط حتى على الحلفاء اليمينيين التقليديين. ففي عام 1987 أدى الضغط الأمريكي على عدد من الدكتاتوريات المتحالفة مع أمريكا إلى الانفتاح نحو الديمقراطية، كما حدث في كوريا الجنوبية. كذلك فقد أبدت الولايات المتحدة استعداداً كبيراً لسحب البساط من تحت فردناند ماركوس في الفلبين على الرغم من سجله المعروف بمعاداته الشيوعية.
وبالتالي فقد أخذ اتجاه يتبلور في نهاية عهد ريغان، بأن دعم ومساندة الحرية قد صارت جزءاً محورياً في مكونات السياسة الخارجية الأمريكية وتوفير السبل لدعم هذا الهدف.
قد أدى انهيار الشيوعية في أوروبا عام 1989 إلى التخفيف ظاهرياً عن الولايات المتحدة، وتخليصها من الغموض الأخلاقي المبدئي الذي ساد فترة الحرب الباردة. فبدون أن يكون هناك صراع كوني ضد الاتحاد السوفييتي، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تعلن موقفها بوضوح بتأييد احترام حقوق الإنسان. وبالتالي لم تعد هناك حاجة إلى ترديد المقولة السائدة في السياسة الخارجية الأمريكية دفاعاً عن دكتاتوريي العالم بالقول "ربما يكون شخص سيئ ولكنه يقف في صفنا".
وقد أكد كل من جورج بوش ثم بيل كلنتون، بأن نشر وتعزيز الديمقراطية يجب ن يكون هدفاً أساسياً من أهداف الدبلوماسية الأمريكية. ويبدو أن الفشل الواضح للغرب لإحداث تحسن في وضع حقوق الإنسان في الصين قد أصاب بالخلل هذه الفرضية وهذا التوجه. حيث يسعى الرسميون في حكومة كلنتون إلى التستر بمقولة أن الإصلاحات والحريات الاقتصادية ستؤدي حتماً إلى الحرية السياسية. ويتضح أن ذلك يمثل تبريراً عقلانياً لكي لا يتم اتخاذ فعل أو موقف بهذا الخصوص، ويرتكز على مقولة سائدة في الفكر الليبرالي، بأن التاريخ يقف دائما في صف حقوق الإنسان، وهي مقولة طالما رفضها النفعيون البراجماتيون.
ويستمر انتقاد النفعيين البراجماتيين من أمثال كيسنجر للتوجه الإنساني على أساس السذاجة الفكرية، حيث يرى كيسنجر بأن دعم وانتشار الديمقراطية سيظل الطموح السائد لأمريكا، إلا أنه من الضرورة بمكان فهم العقبات التي تواجهها في الوقت الذي نظن بأنها قد انتصرت فلسفيا. ففي رأيه بأن الاختلافات والتباينات الثقافية بين العالم، وكذلك الصراع المستمر بين مراكز القوى فى العالم، ستؤدي إلى جعل انتشار الديمقراطية وهماً كبيراً يتضمن مخاطر هائلة.
لقد بدا خلال القرنين الماضيين بأن الاعتقاد الإنساني بحتمية انتشار حقوق الإنسان والديمقراطية وكأنه عقيدة مبدئية تميل إلى التمني والخيال، وليست تحليلاً منطقياً للاحداث. أما اليوم فإن النفعيين البراجماتيين هم الذين بحاجة إلى الإقرار بأن الديمقراطية قد حققت تقدماً ملحوظاً خلال الـ 25 سنة الماضية.
فقد انهارت الدكتاتوريات الأوروبية في اليونان وأسبانيا والبرتغال في منتصف السبعينات. كما انهارت أغلب دكتاتوريات أمريكا اللاتينية في الثمانينات، كذلك فقد انهارت الشيوعية في أوروبا الشرقية عام 1989، واندثرت التفرقة العنصرية، وذهبت كذلك الأتوقراطية الآسيوية مثل تايوان وكوريا الجنوبية وأصبحتا أكثر ديمقراطية، الأمر الذي خلق اتجاهاً واضحاً على المستوى الكوني.
وهكذا يتضح أن قضية حقوق الإنسان كانت وما تزال محوراً لصراع مستمر داخل الفكر الغربي الحديث، والممارسة السياسية الراهنة، ولاشك أن هذا الصراع قد تعزز مع انتهاء الحرب الباردة.

حقوق الإنَسان وَالازدواجيّة الدولة الجَديدة
لم تحظ قضية بالاهتمام المعلن في الحقبة الراهنة كالاهتمام بقضية حقوق الإنسان، كما لم توظف قضية سامية لأغراض سياسية متعددة الأهداف كما تم توظيف قضية حقوق الإنسان. ولعل أحد أبرز أسباب التوظيف السياسي لهذه القضية يعود لطبيعتها المبدئية، والتي لا تحتمل المغالاة في الاستخدام السياسي لها. فاحترام حقوق الإنسان ليس شعاراً فقط، ولكنه ممارسة على أرض الواقع. وبالتالي لم يعد بالإمكان إخفاء انتهاكات حقوق الإنسان بمجرد ترديد الشعارات بالحفاظ عليها. وهكذا نجد أن الصراع يتكرر بسبب أولئك الذين لا يمانعون بالتغاضي عن تلك الانتهاكات في سبيل مصلحة سياسة أو تثبيت سلطة أو ما شابه. ويتضح بأن ذلك الاهتمام والفورة قد تعالت وتصاعدت كنتاج واضح لانتهـاء حقبة القطبية الثنائية، وظهور معالم قطبية أحادية قائمة على قيادة الولايات المتحدة الأمريكية للعالم، وكل ما يعنيه ذلك من التزامات وإلزامات "وتلزيمات" في كافة المجالات، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات للأوضاع الداخلية الأمريكية على تعاملها مع الخارج. حيث يتضح بأن انتهاء الحرب الباردة قد ساهم بشكل ملحوظ في زيادة "المرونة" الأمريكية في التعامل مع العالم، وتَراجُع حدة "دوغما" الحرب الباردة والتي كانت تصنف العالم إلى معسكرين، غربي وحلفاؤه، مقابل شرقي وحلفاؤه.
بل إن حالة "الضبابية والسيولة" السياسية التي سادت العالم قد أدت إلى ظهور مبادئ جديدة بحاجة إلى المزيد من التمحيص، كمفاهيم التدخل الحميد أو التدخل العسكري لأسباب إنسانية، ومدى تركيز ودقة هذه المفاهيم، ومدى المشروعية - من الناحية القانونية - للتدخل الجماعي لحماية حقوق الإنسان في بلد ما، لحماية السكان المدنيين، والأمثلة على ذلك كثيرة، كقضايا "المناطق الآمنة" للأكراد في العراق بعد حرب الخليج الثانية، أو التدخل في دولة تتفكك كحالة يوغوسلافيا السابقة، أو التدخل في الصومال وغيرها. وبالتالي يتم طرح درجة وعلاقة هذه التدخلات بالبعد السياسي، وهل هناك انتقائية وازدواجية في المعايير.
كما إن الوضع الراهن لكافة المناضلين والناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، يدعو إلى الإحباط والقلق على مستقبل أوضاع حقوق الإنسان في العالم. فعلى الرغم من التقدم الملحوظ الذي أحرزته حركة حقوق الإنسان عالمياً على العديد من المستويات، إلا أنها وكما تؤكد إحدى الشخصيات الأمريكية البارزة في مجال حقوق الإنسان، بأن الأوضاع تصطدم بنوع من جديد من الازدواجية في التعامل مع حقوق الإنسان. فالملاحظ بأن المنظمات الدولية غير الحكومية تنشط بفعالية وقوة ضد الانتهاكات في الدول التي لا تُصَنّف ضمن الدول المهمة من الناحية الاقتصادية أو الجيوبوليتيكية. أما في حالة حدوث الانتهاكات الصارخة في بلدان "الدرجة الأولى"، فإن الكثير من الهيئات الحكومية وشبه الحكومية تغض الطرف عنها، وتسمح بحدوثها دون اتخاذ أي إجراء لوقفها.
لقد خطا العالم خطوات متقدمة على المستوى الشكلي تجاه احترام حقوق الإنسان، حيث يلاحظ أن غالبية دول العالم قد وقعت أو انضمت إلى الاتفاقيات الرئيسية لحقوق الإنسان، وهو يمثل التزاماً من تلك الدول بالحد الأدنى من المعايير الدولية لاحترام حقوق الإنسان، كما أن تلك الدول بتوقيعها على تلك الاتفاقيات تكون فعلياً قد سمحت وأقرت بحق دول أخرى للتدخل والسماح لها بتحميلها المسؤولية تجاه أوضاع حقوق الإنسان داخل حدودها. لقد بدا أن ذلك التوقيع في حقبتنا هذه قد بات صكاً للغفران، أو شهادة حسن سلوك للعديد من الدول، لكي "تتأهل" وتقبل بصورة مرضية داخل المجتمع الدولي، ولعل مراجعة سريعة لأسماء الدول الموقعة على تلك الاتفاقيات، تعطينا صورة عن التناقض بين الشكل الدولي، والممارسة الفعلية في تلك الدول.
كذلك فإن هناك عددا من التطورات الملحوظة ذات الأهمية الشكلية حيث امتدت حماية حقوق الإنسان لحماية المدنيين أثناء النزاع المسلح، وما يستتبع ذلك من إنشاء محاكم خاصة لمجرمي الحرب، كما حدث في محكمة يوغوسلافيا السابقة (1993) أو رواندا (1994)، وهي على الرغم من إيجابياتها الكثيرة في إعطاء انطباع باهتمام المجتمع الدولي بوضع روادع لمنتهكي حقوق الإنسان، إلا أن الإنجاز على أرض الواقع لازال دون مستوى الطموح.
ويلاحظ كذلك بأن التحولات السياسية الجذرية التي حدثت في أوروبا الشرقية، إضافة إلى تحولات أساسية في أمريكا اللاتينية، قد ساهمت بشكل ملحوظ، ومن خلال تعزيز التحولات الديموقراطية وتدعيم مؤسساتها، في تطوير وتحسين احترام حقوق الإنسان.
ولم تكن الولايات المتحدة بمعزل عن كل تلك التطورات، حيث تطور منظور حقوق الإنسان فيها في عدة اتجاهات خلال الثلاثين سنة الماضية، ودخل بند حقوق الإنسان في مضمون السياسة الخارجية الأمريكية في جدل حاد ومستمر، لم يتسن له أن يتوقف حتى نهاية الحرب الباردة أو سنة 1990. وقد دار جدل واسع حول ذلك المفهوم بين منظمات ونشطاء حقوق الإنسان في أمريكا من جهة، والحكومة الأمريكية من جهة أخرى، وبالذات حول مدى مشروعية وجدوى استخدام حقوق الإنسان كإحدى أدوات السياسة الخارجية الأمريكية. وقد كان أول من عزز الاستخدام السياسي بصورة ملحوظة كما ذكرنا سابقاً وضمن أدوات السياسة الخارجية هنري كيسنجر وجورج كينان. حيث دخلت مفاهيم الحرب الباردة بصورة ملحوظة لا مكان لإنكارها، حيث يبرز الصوت الحكومي الأمريكي مندداً بانتهاكات حقوق الإنسان الحادثة في البلدان المحسوبة على الاتحاد السوفييتي، ويتوقف ذلك التنديد نهائياً بل ويتحول إلى إنكار عندما يصبح المنتهك دولة حليفة.
وقد طرأ التغير الأول في المعسكر الكيسنجري - إن جاز لتعبير - خلال حقبة رونالد ريغان، عندما بدأ بطرح صوره لحقوق الإنسان ضمن توليفة مركبة ترتكز على عزيز وترسيخ التحولات والمؤسسات الديمقراطية، الأمر لذي يجعل حقوق الإنسان جزءاً منها. وقد أدى هذا التصور إلى بدء أمريكا بالتخلي عن أصدقاء ودكتاتوريين تقليديين، مثل أوجستو بنوشيت في تشيلي، وجان كلود دوفالييه في هاييتي، وفردناند ماركوس في الفلبين. ومع ذلك فإن هذا التصور ظل قاصراً عن التطبيق العادل والمماثل لدول أخرى، مثل السلفادور وجواتيمالا وتركيا وأندونيسيا وليبيريا على سبيل المثال.
وقد أدى هذا الوضع إلى احتدام الجدل والصراع بين ناشطي ومنظمات حقوق الإنسان الأمريكية من جهة، والحكومة الأمريكية من جهة أخرى، حول دقة المعلومات عن الانتهاكات ومصداقيتها، الأمر الذي أدى بتلك المنظمات والناشطين إلى تطوير قدراتهم وامكاناتهم الفنية، وبالذات فيما يتعلق بالتدريب وجمع المعلومات وأسلوب نشر تقاريرها من أجل التصدي للسياسة الرسمية.
وما أن انتهت الحرب الباردة، وبالذات في التسعينات حتى وجدنا ذلك الجدل والصراع قد خفتا بصورة ملحوظة، فالحرب الباردة قد انتهت، مما يقلل من حاجة الولايات المتحدة إلى أن تقدم اعتذاراً لحلفائها عق دول صديقة بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان. وقد كان دور الولايات المتحدة ملحوظاً في الدفع بإيجاد دور فاعل للأمم المتحدة في القضايا الإنسانية، فكان أن أيدت الولايات المتحدة إيجاد دور للمفوض الدولي لحقوق، الإنسان التابع للامم المتحدة. وكذلك الدفع والتأييد لإنشاء محاكم مجرمي الحرب، ولكن على أرض الواقع فإن نتائج تلك الجهود لازالت غير مشجعة على الإطلاق، حيث لا نجد دوراً يُذْكر للمفوض الخاص بحقوق الإنسان حيث أصرّت الولايات المتحدة على تقليص صلاحياته وجعلته تابعا لمكتب الأمين العام للأمم المتحدة بدلاً من جعله أكثر استقلالية في حركته.
ويؤكد أريه نايير على ظهور ما أسماه بالازدواجية الجديدة تجاه حقوق الإنسان في السياسة الأمريكية، وهي أزدواجية تتصف بقيام الولايات المتحدة بالتنديد الواضح والمعلن والمستمر لدول قررت اعتبارها أعداء لها لأسباب سياسية أو غيرها، أو دول لا أهمية لها في المنظور الأمريكي الكوني، أما من اعتبرتهم السياسة الأمريكية أصدقاء لها، أو كانت لهم أهمية اقتصادية خاصة، فالموقف الرسمي المعلن هو الإحجام عن إدانتهم كحد أدنى، وبالتالي فإن الضغط على دول غير مهمة لأمريكا كبورما وجواتيمالا وبيرو ونيجريا ومينامار يصبح ملحوظاً، ولكنه يتوقف عند دول أخرى ذات حظ وافر.
ويرى نايير، بأن "هذه الازدواجية الأمريكية الجديدة تختلف نوعاً ما عن الازدواجية التي كانت تُمارس سابقاً إبان الحرب الباردة. فتلك كانت ضد حلفاء الاتحاد السوفييتي، أما الآن فهي ضد من قررت الولايات المتحدة أنهم - ولأسباب مختلفة - أعداء لها ولمصالحها في العالم. وهي ازدواجية على الرغم من اختلافها عن سابقتها، إلا أنها تحمل في طياتها نفس أدوات التدمير والتشويه للمعاني السامية لمبادئ حقوق الإنسان ." كما أن أصعب ما يواجه نشطاء حقوق الإنسان حيال هذه الازدواجية، هو صعوبة التعامل معها، لعدم وضوحها في أحيان كثيرة، ولتعدد منطلقاتها وعدم أحاديتها، حيث إنها أخذت منحىً نفعياً براجماتياً متكاملاً حيث يرى نايير بأن ذلك يرتكز على تصور يلخصه بالمثال التالي، "فمثلاً لو انتصر الشيوعيون في الانتخابات على يلتسن، فإن حقوق الإنسان ستتراجع في روسيا، وبالتالي فإن التقليل أو عدم انتقاد يلتسن بخصوص انتهاكاته لحقوق الإنسان في الشيشان، سيساعده على البقاء في وجه الشيوعيين الأمر الذي سيخدم الحفاظ على حقوق الإنسان. وبنفس المنطق مثلاً فإن نجاح العملية السلمية في الشرق الأوسط، سَيُحسِّن من أوضاع حقوق الإنسان في كافة أرجاء المنطقة، لذلك فإن التقليل من انتقاد السلطة الفلسطينية وسوريا والأردن ومصر واسرائيل سيساعد على تدعيم حقوق الإنسان.. إلخ. وسيؤدي الاستمرار في هذه الازدواجية الجديدة إلى جعلها جزءاً يكاد أن يكون معلناً من مفاهيم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي سيقلل من فرص وفعالية الضغط على دول مثل مينامار وكمبوديا، لأنهما صارتا تلحظان الازدواجية الأمريكية، وسكوتها عن ممارسات مشابهة لدول "درجة أولى" بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي تسقط بشكل ذريع مقولة عالمية حقوق الإنسان".
وبالمقابل فإن جيفري جارتن، والذي كان يشغل منصب وكيل وزارة التجارة الأمريكية لشؤون التجارة الدولية من عام 1993 إلى 1995، يؤكد على أنه لا خلاف على ضرورة التزام أمريكا مبدئيا في الدفاع عن حقوق الإنسان، وأنه من غير الجائز السماح أو قبول الازدواجية بكافة أشكالها، إلا أنه يضع عددا من المبادئ التي يجب أن تكون أساساً للسياسة الأمريكية فيما يختص بحقوق الإنسان، وهي تنطلق من الحاجة إلى البراجماتية أو البعد العملي في التعامل مع حقوق الإنسان وترتكز على المبادئ التالية:
1. لا حاجة لأن تتخذ السياسة الأمريكية تجاه الدول المنتهكة لحقوق الإنسان جانباً معلناً وعلنياً بصورة دائمة.
2. إن الولايات المتحدة لا تهتم فقط بالقضاء على انتهاكات حقوق الإنسان في بلد ما، ولكن عليها أن تسعى لتطوير اقتصاديات ومعيشة ونمو ذلك البلد، فالتنمية هي خير وسيله للتقليل من الانتهاكات.
3. يجب أن تكون حقوق الإنسان جزءاً لا يتجزاً من السياسة الخارجية الأمريكية وليست مستقلة عنها.
4. إن سياسة الولايات المتحدة تجاه حقوق الإنسان يجب أن تركز على ما يمكن إنجازه في بلد ما وليس فقط ما يستثير ضمائرنا من انتهاكات. وبالتالي فإن المعيار الأساسي هو ما يمكن أن يتحقق وليس ما يجب أن يتحقق.
5. مع التأكيد على ضرورة الاستمرار في إبلاغ الحكومات بوجهة نظر الحكومة الأمريكية حول حقوق الإنسان، إلا أنه يجب أن لا تربط الولايات المتحدة حقوق الإنسان بالتجارة، مثلما فعلت مسبقاً عندما هددت بسحب صفة الدولة الأولى بالرعاية من الصين .
6. إذا كانت هناك ضرورة للإعلان عن الموقف الاحتجاجي، أو فرض حظر من نوع ما، فإن ذلك يجب أن يكون جهداً جماعياً مع دول أخرى، وأن لا تنفرد الولايات المتحدة به لكي لا تخسر مصالحها.
ولعلنا هنا، واستناداً إلى وجهة النظر المذكورة سابقاً، والتي تمثل مرتكزات تنطلق منها الولايات المتحدة في منظورها الجديد تجاه حقوق الإنسان، نستطيع أن نكتشف دون جهد كبير صعوبة التعامل مع الموقف الأمريكي حيال هذه القضية. وتعود تلك الصعوبة بسبب عدم الالتزام المبدئي والتغيرات غير المتوقعة، حيث يتم التعامل مع القضايا كل على حدة، وليس انطلاقاً من مبدأ عام مستمرة.



القانون الدّولي الإنسَاني .. نفس المعضلة
ولا يختلف الأمر ذاته وذلك الحوار الدائر عن محاولات حثيثة لتطوير القانون الدولي الإنساني ومجال العمل فيه، وتأثر ذلك أيضا بشكل يكاد يكون مباشراً في حقبة ما بعد الحرب الباردة، حيث يركز القانون الدولي الإنساني بشكل أساسي على حماية الأشخاص المتضررين في حالات النزاع المسلح، مما يجعل البعض منا يعتقد بأن القانون الدولي الإنساني يتحرك بمفرده وبطاقته الذاتية، وأنه ضابط لحركة المجتمع البشري الإنسانية، وأنه ضاغط على أولئك المستهترين بقيمه وتقاليده. بل إن ذلك الاعتقاد يصل إلى درجة الإحساس بالفعالية المطلقة لهيئة دولية تتولى حماية الإنسان والدفاع عنه، مما يعطي انطباعاً بأنه في حالة فشل تلد المواثيق الدولية في الانتصار للإنسان الضعيف، فإن اللوم يتم توجيهه لذلك القانون ولتلك المواثيق. وحقيقة الأمر أن القانون الدولي لا يتحرك منفرداً أو في فراغ، فالقانون الدولي بالتعريف يحكم ويعالج العلاقات بين الدول برضاها، أي أن تلك الدول إذا ما رفضت تطبيق ذلك القانون أو الانصياع له، ولم تتحرك قوة جماعياً لإرغامها، فإن ذلك القانون يصبح مجرد حبر على ورق وهو في الكثير من الأحوال كذلك. ومع ذلك فإن المقولة سابقاً لا تعني بأن هذه النصوص والمواثيق وآليات عملها وهيئاتها ومؤسساتها غير مجدية، أو أنها لا تقوم بفعل شيء أو أنها غير مفيدة.
إن واقع الأمر يؤكد على حقيقة يجب ألا تغيب عنا، ألا وهي أن القانون الدولي العام ليس إلا انعكاساً لميزان القوى الدولي، يقوى بصدقيته ويضعف بهشاشته وبضياعه، ويتحجم كلما طغى المعيار السياسي في تقييم ما هو إنساني، والعكس بالضرورة صحيح. وعلى هذا الأساس فالقانون الدولي الإنساني، انطلاقاً من كونه فرعاً من فروع القانون الدولي العام، تنطبق عليه المحاذير السابقة والتي ذكرناها آنفاً مما يجعله يبدو انتقائيا في تطبيقه، ويكيل بمكيالين وأحياناً بأكثر في العديد من الحالات، مما قد يؤدي إلى عدم التزام دول كثيرة في معطياته وحيثياته ومكوناته.
فالقانون الدولي الإنساني قد تطور تطوراً ملحوظاً، وهو يهدف بدرجة أساسية إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالات النزاع المسلح، وما قد يترتب على ذلك النزاع من آلام ومعاناة، وبالذات على الأشخاص المدنيين، وبالتالي فإنه يأتي خلافاً لقوانين حقوق الإنسان التي تطبق في زمن السلم كذلك، ويمكن تعليق بعضها زمن الحرب، أو حتى في حالات أقل خطورة بحسب الظروف والمقتضيات المختلفة زماناً ومكاناً. وما تم التعارف عليه باتفاقيات جنيف وغيرها يعد أبرز مواثيق القانون الدولي الإنساني.
يتضح إذاً بأن نصوص القانون الدولي على جمالها وحسن ترتيبها وتنميقها لا تصبح فاعلة عادة دون أن يكون وراءها مصلحة سياسية لهذه الدولة أو تلك، وأن القانون الدولي الإنساني لا يستطيع التحرك بفاعلية دون دعم الأطراف القوية في المعادلة الدولية. ويتضح كذلك بأن الحقبة الدولية التي عشنا بها وحواليها خلال ما يزيد على نصف قرن وهي حقبة القطبية الثنائية، انتهت بشكلها وتركيبتها إلى غير رجعة، وأن وضعاً دولياً راهناً أصبح يقتات على هيمنة أحادية تُسيِّر العالم على غير هدى، فتصرفت بصورة غير مسبوقة مؤيدة للحق الدولي القانوني مدعومة بالقوة العسكرية في قضية تحرير الكويت، مطبقة بصورة متكاملة القانون الدولي الإنساني الذي انتصر إلى كل المفاهيم والمبادئ المتمثلة في قوانين جنيف وبروتوكوليها الاختياريين، إلا أننا وجدنا ذات المبادئ والمفاهيم، وتحت إطار نفس الهيمنة الأحادية الدولية تغوص في مستنقع البوسنة والهرسك ووحل الصومال. وفشلت الكثير من الحلول وجاء استخدام القوة مماثلا لرفع العتب، وضاعت في ذلك الخضم أرواح وأنفس بريئة. فمن الملام هنا هل هو القانون الدولي الإنساني أم النظام الدولي الذي يتحرك من خلاله؟.
إننا نمر اليوم في حقبة تاريخية فريدة من نوعها تتمثل في هيمنة فعلية أو افتراضية تكاد تكون كاملة للولايات المتحدة الأمريكية على العالم، ولهذا الأمر تبعاته وكلفته وإشكالياته وبالذات فيما يختص بالقانون الدولي الإنساني أو القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وخضوع الأمر للافتراضات يجعله مفتوحاً للاحتمالات، وقائدة العالم حالياً - الولايات المتحدة - هي في حالة "سيولة" سياسية غير محددة المعالم، وتحتم تلك السيولة علينا حالة من الترقب والتوقع، لا يغيبان عن أي مراقب للحياة والتداعيات السياسية في العالم، منذ تفكك الاتحاد السوفييتي وحتى الآن. بل إن الولايات المتحدة ذاتها تعاني هي نفسها من ضخامة حجم ما يتوقعه العالم منها، وما يفترض أن يكون لأمريكا يد فيه، وهو تصوّر فيه شيء من المبالغة، وبالنسبة لنا ولدول العالم الثالث يعكس درجة الإحباط والعجز التي وصلنا لها، ولذا نجد الولايات المتحدة في العديد من المواقف تتصرف انطلاقاً من هذا الموقف المفترض حتى لو لم يكن هناك مبرر لذلك، ويظهر ذلك بصورة ضعيفة ومهلهلة في المحافل الإنسانية.
الخلل في التطبيق على أرض الواقع
ولنأخذ على سبيل المثال ما حدث في الاجتماع الدولي السادس والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والذي كان مقررا عقده في بودابست عاصمة هنغاريا من 29 نوفمبر إلى 6 ديسمبر 1991، حيث أصدرت اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر البيان الصحفي التالي:
"تأسف اللجنة الدائمة للصليب الأحمر والهلال الأحمر، إذ تعلن أنها اضطرت إلى تأجيل المؤتمر الدولي السادس والعشرين للصليب الأحمر والهلال الأحمر، والذي يحتمل أن يضطرب سيره لخلافات سياسية بين الحكومات على مسائل تتعلق بالمشاركة في المؤتمر. وتحرص الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر على أن تؤكد أن المبادئ الأساسية التي تبني عليها عملها تلزمها بأن تبتعد عن أي جدل له طابع سياسي. وهي تأسف لأن الأطراف المعنية لم تنجح في إيجاد حل مقبول فيما يتعلق بالمشاركة الفلسطينية. والحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر سوف تتابع اجتماعاتها في العاصمة الهنغارية من دون مشاركة الحكومات، وستناقثس جميع المسائل الإنسانية الملحة التي تتطلب اهتمام المجتمع الدولي".
كان ذلك البيان مؤشرا واضحا إلى الدرجة التي تؤثر فيها السياسات الحكومية في القانون الدولي الإنساني. وقد كنت حينها كأحد المشاركين في المؤتمر قد رصدت التوجهات المتباينة فلم أجد إلا القليل من المنطلقات الإنسانية، والكثير من المنطلقات السياسية، حيث أصر غالبية المعسكر الغوبي بقيادة الولايات المتحدة على رفض مشاركة الفلسطينيين رسميا (كان ذلك قبل مؤتمر مدريد والبدء بمسيرة السلام بمشاركة ياسر عرفات واتفاق غزة أريحا أولا). وقد كان الموقف السياسي الرسمي واضحا كل الوضوح للمجموعة الغربية، وما أن تغيرت المواقف سياسيا بالنسبة، حتى انعكس ذلك على الحركة الأم للقانون الدولي الإنساني (الصليب والهلال الأحمر) لتقبل المشاركة الفلسطينية.
أما النموذج الآخر، فهو المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. فقد تأسست هذه المحكمة في عام 1993 وبدأت عملها لسنة 1994، وهي محكمة بمحاكمة مجرمي حرب يوغوسلافيا السابقة، والمسؤولين عن أعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية بعد مرور أكثر من سنتين على بداية الحرب في هذه الدولة الأوروبية.
والسؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى، هل جرائم الحرب فقط في يوغوسلافيا السابقة؟ فهناك قائمة لا تنتهي من الدول والأنظمة السياسية التي يتعين أن يتم اعتبارها مجرمي حرب. فلماذا ظهرت هذه المحكمة في هذا الوقت؟ وحول هذه القضية بالتحديد؟ لقد لعبت السوابق التاريخية دورا مهما في تبرير وجود هذه المحكمة كمبدأ، حيث نصت المادة 277 من اتفاقية فرساي التي أبرمت عقب انتصار الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الأولى على محاكمة الامبراطور الألماني غليوم الثاني، إلا أن رفض الحكومة الهولندية آنذاك تسليم الامبراطور الذي لجأ لأراضيها قد حال دون محاكمته.
وقد حدث بالفعل أن حوكم مجومو الحرب الألمان واليابانيين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أمام محكمة نورمبرغ التي تم تأسيسها بمقتضى اتفاق لندن بتاريخ 8/8/1945، ومحكمة طوكيو التي تأسست في 19/1/1948. إلا أن الذي يميز محكمة يوغوسلافيا السابقة عن سابقتيها هو أن الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية هم الذين أسسوا هذه المحاكم، فعدالتها المفترضة هي عدالة المنتصر ضد المهزوم، ومع في ذلك فإن تلك السوابق ساعدت على إضفاء الشرعية التاريخية للمبدأ وحتَّمت ظهوره بصورة أفضل وأكثر مصداقية.
أما السبب الثاني لظهور المحكمة فهو وجود غطاء قانوني دولي إنساني في النصوص والتشريعات، حيث نصَّت العديد من الاتفاقيات الدولية الإنسانية على تأسيس محاكم لمحاكمة المتهمين بانتهاك نصوص الاتفاقية كالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، مثل اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، إضافة إلى محاولات منظمة الأمم المتحدة لتأسيس محكمة جنائية دولية، وذلك ابتداء منذ عام 1950 ثم 1957 ثم 1981 ثم عام 1989. وفجأة ظهر مشروع محكمة جنائية ليوغوسلافيا السابقة خارج إطار المحاولات السابقة وان كان قد تأثر فيها حتماً.
أما السبب الثالث وهو ذو علاقة بتفاصيل الصراع ذاته، وتداعياته وكيفية تطوره مثل طبيعة الصراع العرقي الدائر في يوغسلافيا السابقة، وكذلك بطبيعة إدانة المجتمع الدولي للانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني، وحقوق الإنسان، حيث صدرت قرارات مكثفة من مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى توثيق وتسجيل انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والممارسات البشعة التي حدثت في إطار ذلك الصراع، وبالذات الهتك المستمر للأعراض، فكان أن طلب سفير الولايات المتحدة رسمياً عقد اجتماع طارئ للجنة حقوق الإنسان، لمناقشة أوضاع يوغوسلافيا السابقة في 5/8/92، وتم بموجب ذلك تعيين مفوض خاص للتحقيق بالأوضاع الإنسانية في يوغوسلافيا السابقة. قدم المقرر عدة تقارير أكدت وجود ممارسات بشعة ورفعت التقارير إلى مجلس الأمن وأعضاء لجنة حقوق الإنسان. وعلى الرغم من انعقاد المحكمة وصدور أحكام ضد ملاتكو ملاديتش قائد جيش الجمهورية الصربية، إلا أن رئيسة الجمهورية الصربية بيليانا بلافسيتش رفضت بشكل مطلق تسليم أي من المجرمين المدانين بل اعتبرتهم قد أدوا واجبهم الوطني.
وعلى الرغم من أن النصوص الشكلية للمحكمة الدولية كانت الأكثر تطوراً في مثل هذه الحالات، إلا أنها بدلا من أن يستفاد من الفرصة التاريخية لإنشاء محكمة جنائية دولية عامة، فقد فرضت الضغوط السياسية أن تخصص المحكمة فقط ليوغوسلافيا السابقة، فهي محكمة مؤقتة، ويعود ذلك التخصيص من خوف الدول وبالذات الولايات المتحدة من أن يكون وجود المحكمة مبرراً لتقديم قضايا تمس دولا غير مرغوب في إدانتها في الوقت الراهن. أو لربما الخوف من السؤال الأكبر حول مسؤولية الدول الكبرى التي تدعم أو كانت قد دعمت دولاً ارتكب مسؤولوها جرائم حرب. وهكذا حتى ما كان ظاهرا عليه أنه إيجابي يتضح بأن محدوديته كان سببها الوضع الدولي الراهن.
ومن غير المفهوم على الإطلاق أن لا تقام محاكم مماثلة لإدانة أنظمة ارتكبت جرائم إبادة ومارستها بالصوت والصورة وعلى رؤوس الأشهاد. فقد توفر من الأدلة على تلك المجازر الكثير، إلا أن الوضع الدولي لم يجد في تلك القضايا حالة "جذابة"، واكتفى ببقاء النظام القمعي على رأس السلطة يمارس إبادته وتعذيبه لشعبه بصورة اعتيادية. بل إن قرارات لمجلس الأمن صدرت على سبيل المثال بحق العراق تتعلق بحماية حقوق الإنسان، وتعيين مفتش خاص داخل العراق لمتابعة القضية الإنسانية، إلا أنه لم يتم تدعيمها بأي شكل من الأشكال، على خلاف الصلاحيات الممنوحة لفريق تدمير أسحلة الدمار الشامل.
ومن المهم التنويه بأن هذه المحكمة ليست إلا محكمة مؤقتة وأن صدقية المجتمع الدولي تظهر في تأسيس محكمة دائمة وهي محاولات بدأت منذ عام 1950، كما أن هذه المحكمة لا قيمة لها إلا على الورق إذا لم تتعاون الدول معها. وعلى الرغم من أن الجمعية العامة وبعد مفاوضات طويلة ونقاش أطول امتد لأكثر من سنتين قد أصدرت قرارات في 17 ديسمبر 1996 لعقد مؤتمر في يونيو 1998 في إيطاليا من أجل الاتفاق حول نص اتفاقية دولية جديدة لإنشاء محكمة دولية دائمة للمجرمين، إلا أن ذلك المؤتمر لا يشكل إلا خطوة بسيطة في ذلك الاتجاه، كما أنها لا تمثل نهاية الطريق حيث من المتوقع أن تأخذ تلك المداولات ونتائجها زمنا طويلا.
ويأتي النموذج الآخر للخلل في تطبيق القانون الدولي الإنساني في مسألة إنسانية دقيقة جداً ألا وهي قضية الأسرى، فعلى الرغم من أن اتفاقيات جنيف قد حققت تطوراً ملحوظاً في إدراجها لقضية الأسرى ومعاملة أسرى الحرب بصورة تفصيلية وشرحت حقوق الأسير ومسؤولية الدولة الآسرة، فإنه لم تحل أي قضية من قضايا الأسرى بين الدول التي دخلت في نزاع مسلح، إلا بموافقة الأطراف المعنية، أو بإصرار الدولة المنتصرة على إنهاء عملية تبادل الأسرى ضمن بنود إعلان الهزيمة للطرف المهزوم.
إن الطرف الأقوى دوليا يجعل من القانون الدولي فاعلا كيفما يشاء. ففي الحقبة الراهنة وبعد سقوط وتفكك وتبعثر الاتحاد السوفييتي فإن الولايات المتحدة الأمريكية تسيطر على الموقف الدولي سواء فعلياً أو افتراضيا، وذلك حتى إشعار آخر. وعلى الرغم من أن التحولات الهائلة التي حدثت نتاجاً لهذا التغير قد نجم عنها تعزيز أكثر لتدعيم المفاهيم الإنسانية ومكونات القانون الدولي الإنساني، فإن ذلك لا يمثل الوضع الذي ساد العالم، وبالذات في مواقع النزاع المسلح، ولازالت السياسة الدولية للولايات المتحدة تسير على نفس الصيغ المتذبذبة والمترددة، فالمراقب الدقيق لتلك الحقب يجد استخداماً بلاغياً ملحوظاً للانتصار لحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، لا تعكسه على أرض الواقع ممارسات فعلية.
ولئن كان الوضع في سابق عهد الحرب الباردة مبرراً (سياسياً)، بوجود خصم عنيد وند لدود هو الاتحاد السوفييتي، مما يعطي مخططي السياسة الخارجية الأمريكية هامشاً للقول بإمكانية التغاضي عن دعم القانون الدولي الإنساني ومبادئه في العديد من الحالات، فهل يكون هذا الوضع مقبولا اليوم بعد أن وقَّعت أكثر من 37 دولة جديدة على مجمل اتفاقيات "الشرعة الدولية لحقوق الإنسان"، ومجمل محتويات القانون الدولي الإنساني؟


ملامح حقوق الإنسَان في الثقافة العربَية
إن التحولات والحوارات الدائرة على المستوى الدولي فيما يختص بحقوق الإنسان تتطلب منا تسليط مزيد من الضوء على منظور حقوق الإنسان في مضمون الثقافة العربية السائدة. وتأتي أهمية ذلك من أجل فهم طبيعة العلاقة بين المجتمعات العربية ومفاهيم حقوق الإنسان ودرجة الالتقاء والتنافر بينهما. حيث يبدو الإنسان في الثقافة العربية وقد عانى الكثير من التشويه، والكثير من الاختزال، فأصبح ذلك الإنسان هامشي الوجود، لا أثر له في حركة التطور ودينامية الفعل الاجتماعي، بل كاد أن يكون وجوده من عدمه سيان. بل إن نشوء الدولة العربية الحديثة، ونزعتها التسلطية قد أديا إلى تهميش الإنسان العربي. كذلك فإننا لا نجد في وسط الثقافة العربية بمجملها صراعاً بين الفريق الإنساني والفريق النفعي البراجماتي على سبيل المثال، وحتى وإن وجد، فإن أثره الثقافي يكاد لا يذكر. فالقوة عادة ما تكون هي محور الصراع ولا يوجد "للإنساني" فيها موطىء قدم. بل إن الثقافة العربية الحديثة بكل مكوناتها التسلطية قد ضاعفت من حدة الأزمة وجعلت الازدواجية في المعايير أمراً طبيعياً كانعكاس لتلك التي يمارسها الغرب حيالنا. وبالتالي فقد استندت حقوق الإنسان في الثقافة العربية كما يبدو إلى المكونات التالية:
• إن مفاهيم حقوق الإنسان، الحديثة على الأقل، تُركِّز أساساً على المنطلقات الفردية والحرية بمعناها الخاص كأساس لحرية الجماعة. أما الفرد في الثقافة العربية فهو شر مطلق، ولا يُرى فعله الذاتي إلا مناقضاً للفعل العام، فهو بعير معزول، أو ناقة معبدة، أو أغنام قاصية. فالفرد في الثقافة العربية التقليدية مكانه مفقود، وبالتالي يصبح "حقه" المطلق في الحياة والتعبير ليس إلا "حقاً مستورداً" دخيلاً على تلك الثقافة "المتينة". ولا يخفى علينا هنا حجم الضياع الذي تعاني منه مفاهيم حقوق الإنسان إن أريد لها أن تترسخ متجاهلة بذلك مكونات الثقافة العربية.
• يمثل الدين الإسلامي، وهو أحد المرتكزات الأساسية للثقافة العربية، يمثل في جوانبه الأساسية والأصلية منطلقات متميزة، وأرضية صالحة للعديد من جوانب حقوق الإنسان، وبالذإت ما يتعلق منها بالعدالة وعدم الظلم ومنع التعدي وتحريم التجسس وحرية الاعتقاد وحرية الانتقال وتحريم التعذيب والعديد من الحقوق الأخرى، التي بالإمكان أن يتم التفاهم والتوفيق بينها وبين المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان. ولكن، وعلى الرغم من أن النماذج المعاشة خلال فترات صدر الإسلام وظهره، كانت فترات تميزت بدرجات جيدة من التسامح والتعايثس بين ثقافات وأنماط تفكير مختلفة، إلا أن النتاج الثقافي الذي تبلور وتكوَّن خلال عصور الانحطاط والتنافس، قلّص إلى حد كبير إمكانية أن يصبح ذلك الإرث الثقافي السابق تربة صالحة لمفاهيم حقوق الإنسان، وبالذات على مستوى الممارسة. وأصبحت مفاهيم إسلامية حول العدل والحرية يتم ترديدها كجزء من كينونة الدار الآخرة، ولا علاقة لها بالدنيا ولا يلمسها المواطن على أرض الواقع، من خلال تعامله مع أنظمة تسلطية متسلطة ترفع شعار الإسلام وتمارس عكس ما يدعو إليه تماماً.
• أسهمت السلطات الحديثة المتكونة في رحم الثقافة العربية بشكل فاعل في تراجع مفاهيم حقوق الإنسان، (والتي كان أغلبها قد تكوَّن نتاجاً ورداً على تدهور البنى الاقتصادية واتساع الفوارق الطبقية، وإحقاقاً للحق وتعديلاً للمظالم) بل أدت الممارسات التي انتهجتها تلك السلطات تحت مسميات مختلفة، تزعم إنقاذ الإنسان من العنت والقهر، إلى أن صارت مفاهيم حقوق الإنسان في الثقافة العربية الحديثة مصدراً للتندر. فعلى وجه العموم، قامت تلك السلطات بضرب أمثلة لا تنافس في انتهاكات حقوق الإنسان بحجج غريبة وتحت شعارات عجيبة، كالديمقراطية والانحياز للطبقات الشعبية أو الرقي بالإنسان والحفاظ عليه. وهكذا عاش الإنسان العربي ردحاً من الزمن تحت هجمة مركزة من ذلك النوع المتناقض، مما رسخ مفهوم اللامصداقية لتلك الشعارات الجميلة. ومما يثير الاستغراب سيادة الشعارات الشعبية حتى في أسماء تلك الدول دون أن يكون واقعها قريباً مما تدعيه.
• يظل مفهوم حقوق الإنسان في الثقافة العربية بعيداً عن التصديق، وقريباً من التعاويذ الغيبية التي ليس لها أثر كبير في مجريات الحياة العامة إلا بقدر الإيمان بها. فليس هناك وقع مشابه لكلمة Human Rights مثل وقع كلمة حقوق الإنسان، ولعلنا قد نكون بحاجة إلى إيجاد ترجمة للمعنى تكون أقرب للواقع ذهنياً حيث يبدو المصطلح كأنه مستورد بالكامل. ولعل ضعف مصداقية مفهوم حقوق الإنسان في الثقافة العربية، يعود لدرجة كبيرة من إحساس عميق بازدواجية المعايير الناتجة من تصرفات الغرب حيال قضايا عربية بحتة، وبالذات ما يرتبط منها بحقوق الإنسان. لقد أدت تلك الازدواجية إلى تكوّن تراكمات في الثقافة العربية، مجملها يشكك في مصداقية الغرب تجاه حقوق الإنسان وبالذات عندما نسترجع وضع فلسطين أو وضع البوسنة والهرسك وغيرها، ومن هنا يظل التشكيك في جدية تلك المفاهيم انطلاقاً من التشكيك بمصدرها والداعي لها، ولا يتم هنا التأكيد على أهمية المفاهيم بذاتها. كما يتم التجاهل والتعامي عن أن الأنظمة الغربية هي أنظمة معقدة، وتسيطر عليها مفاهيم التعددية، وبها منظمات إنسانية تقوم بجهود تناقض دولها، وأن القضايا الإنسانية في تلك المجتمعات تحكم بالتصويت، وأن الصراع حول هذه القضايا موجود حتى في تلك المجتمعات.
• يظل الإحساس بعدم إلزامية وقدرة تلك المفاهيم وآلية العمل فيها أحد الإشكاليات التي تراها الثقافة العربية تجاه حقوق الإنسان. فتلك الحقوق تبقى ذات بعد اختياري طوعي، وبالذات ضمن المنطقة العربية، وهو أمر يضعف من وجودها وتجذيرها في ثقافتنا العربية. وهي ثقافة لازالت تؤمن بالقوة والتغيير القسري. ولدى الكثيرين تبقى هذه المفاهيم جميلة وطيبة ولكنها بعيدة المنال بسبب ضعف آلية التنفيذ، التي تعتمد على استثارة الوعى والرأي العام والضغط على متخذ القرار سياسياً وهي عملية قد تطول في وقت لا تحتمل فيه الضحية الظلم الواقع عليها.
• هناك شعور في عمق الثقافة العربية بالإحساس بالظلم، وأن هناك من يخطط في مكان ما من هذه الأرض للتآمر على القدرة العربية، وأن العالم كله يدور حول، تلك القدرة، وأن كل ما يحدث في هذا العالم ليس إلا مؤشرات لتلك المؤامرة، وأنه لا يوجد هناك ما يمنع من الرد على ذلك الظلم بالظلم، وأن القتل والقمع هو جزء من السلطان، وأنه لن يصلح لمثل هذه الأمور إلا الحاكم القوي وأن نموذج ذلك الحاكم القوي هو الذي يقمع المعارضة - "التي هي غالباً ما تكون جزءاً من المؤامرة" - وبالتالي فإن الرد الطبيعي هو العنف، وهو "رد منطقي" وبالتالي انتهاك حقوق الإنسان. ولا يتوقف هذا الأمر على الحاكم، بل ينسحب حتى على معارضيه الذين ما أن يتولوا السلطة حتى يبدءوا بممارسة نفس الفعل التسلطي.
• يتطور ويتعاظم الشعور بالظلم في داخل وفي عمق الثقافة العربية، لدرجة تصل إلى التشفي عند وقوع مصاب لشعب عربي آخر، وبالذات من أولئك الذين يشعرون بالظلم. ولا ينحصر هذا الأمر على الدهماء، ولكنه ينطبق أيضاً على المثقف الذي كتب كثيراً عن الديمقراطية، وكذلك على السياسي المحنك. فلا يبدو أن حقوق الإنسان كقضية قائمة وبشكل مطلق كان لها تأثير على اندفاع جماهير عربية، على إطلاق الكلمة، وراء تأييد ذبح شعب وعربي مسالم في وطنه. إن الإحساس "بالتشفي" يبدو أنه أقوى بكثير من الاهتمام بحقوق الإنسان.
• ينسحب مما سبق أن يتكون مفهوم راسخ، وهو أن مفهوم حقوق الإنسان مفهوم نسبي وليس مفهوما مطلقاً. بمعنى آخر، أن حقوق الإنسان هي "حقوقنا نحن" فقط، أما حقوق الإنسان "الآخر" فلا معنى ولا قيمة لها. ولعل الإحساس بالظلم يُرسِّخ هذا الاتجاه. كما أن المفاهيم السائدة من "فزعة" و"هبة" و"نجدة" و"أنا وأخي على ابن عمي..."، وكون تلك المفاهيم تبدأ ضمن إطار الأسرة أو حتى القبيلة أو الطائفة، إنما يشكل عائقا أمام قيام أي مشروع تجذيري واع بحقوق الإنسان. فتلك المؤسسات الاجتماعية تعيش في أوضاع كثيرة، حالات رهابية تخشى فيهـا الدخول في التعاطف مع أطراف خارج إطار دوائرها المغلقة، فالأهم حماية النفس والجماعة، أما الآخرون فلهم الله. ولا بأس من المتعدي على الآخرين في سبيل مصلحة الجماعة الخاصة، أو الجماعة الأكثر عموماً أحياناً. أما مفاهيم "هم" و"نحن " فهي إحدى تلك المفاهيم المغروسة في الثقافة العربية. ولعلها مفاهيم عامة غير مقصورة على الثقافة العربية فحسب، ولكنها ولأسباب عديدة تلعب دوراً أكثر تأثيراً في الثقافة العربية. وهكذا تنشأ منظمات حقوق الإنسان خاصة بنا فقط، للدفاع عنا فقط، وليس لأن الإنسان دوما بحاجة إلى حماية. ولذلك تجد في الأوساط الثقافية العربية منظمات حقوق الإنسان هي في الواقع أغطية وواجهات لتنظيمات سياسية. وتحدث الطامة الكبرى عندما تمتنع منظمات حقوق الإنسان عن اتخاذ مواقف إنسانية مبدئية لاعتبارات سياسية بحتة، كذلك فإننا نجد ببساطة أنظمة عربية قمعية تنشئ منظمات تحمل اسم الدفاع عن حقوق الإنسان، ولا تجد غضاضة من أن تشارك تلك المنظمات في مؤتمرات دولية أو إقليمية دون إحساس أو شعور بأية مسؤولية.
• يساعد تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الكثير من الدول، وبالذات دول العمق البشري العربية، وكذلك تدهور أوضاع حقوق الإنسان في تلك الدول، على عدم الإحساس بمعنى المفهوم، أو الاقتراب من استيعابه، بل ويصبح في الكثير من الأحيان غير مأخوذ على محمل الجد مقارنة بالأوضاع المعيشية المتردية للإنسان في تلك البلاد.
• تدور في فلك الثقافة العربية مجموعة من البنى الفوقية، التي كوَّنتها تراكمات ناتجة من كم هائل من تراث وأشعار وأحاديث مأثورة وأقاويل وروايات وحكايات وأساطير، كلها تؤكد على القوة والانتقام والانتصار، ولا تجد بنفس الدرجة ما يدعو للتراحم والتعاطف والعدالة ومنع الظلم. ويتأكد ذلك بصورة أوضح من خلال الأساطير والشخصيات التاريخية التي تمجد الطاغية الذي يسفك الدماء، وقلما نجد في التاريخ السائد بين الناس حكايات تمجد المصلحين والمتسامحين في التاريخ العربي.
• يسود الثقافة العربية شعور بأن مفاهيم حقوق الإنسان "متقدمة" أكثر من اللازم، أو أنها ربما تصلح لمجتمعات أخرى غير مجتمعاتنا. وبالتالي فإن القبول بها ربما يعني وضع الأمور في غير موضعها الصحيح. وأنها مفاهيم "متسامحة" أكثر من اللازم وأنه لم يَحِنِ الوقت للالتزام بها.
• ليس هناك إمكانية كما يبدو- أو لنقل إنها مسألة تعليمية تحتاج زمناً - لأن ترسخ في الثقافة العربية قدرة على الفصل بين ما هو سياسي وبين ما هو إنساني. فالسياسة وحقوق الإنسان مترابطان ترابطاً وثيقاً بمنظور الثقافة العربية، وليس من السهل بمكان فمثل إحداهما عن الأخرى، ويعود ذلك إلى درجة كبيرة إلى كون الذي ينتهك حقوق الإنسان هو الحكومة، فأي إثارة ضد تصرفات ترتكبها الحكومة يتم تفسيرها سياسياً. ولم تستطع أي دولة عربية - فيما أعرف - أن تستوعب إمكانية قيام تنظيم إنساني شعبي صرف غير سياسي دون أن تصطدم معه بشكل أو بآخر، وإن كانت هناك بعض المحاولات الجادة إلا أنها لا تزال في مرحلة المحاولة.
• لا يوجد في الثقافة العربية إحساس بالجزء كائن ما كان حجم هذا الجزء، فهي ثقافة شمولية ذات بعد كلي لا يوجد بها احترام وتقدير للجزء. وهكذا عندما تحدث مشكلة ما فأول ما يتبادر إلى الذهن هو التضحية بالجزء، بل إنه ليس هناك بأس من انتهاك حرمات ذلك الجزء في سبيل الكل. فليس هناك بأس بهذه الحالة أن تنحر سكيناً عربية تمثل "المفهوم الكلي" نحراً عربياً يمثل "المفهوم الجزئي"، وليس هناك تناقض على الإطلاق بين ذلك الذبح ومفاهيم حقوق الإنسان فهي"دخيلة" على أية حال، كما أنها قد تمثل جزءاً من"المؤامرة" على "مقدرات الأمة" ووحدتها ومستقبلها.
• يسود في الثقافة العربية شك عام في منطلقات العمل الشعبي المستقل، وقد خلقت الدولة العربية الحديثة ذلك الشك وزرعته عبر سنوات تكونها. فقد مارست الدولة العربية الحديثة تحت مبررات مختلفة، كالانحياز للطبقات الشعبية، أو قطع الطريق على المناوئين سياسياً، سيطرة مبالغاً فيها على مداخل العمل الشعبي، فأصبح العمل الشعبي، عموماً، جزءاً لا يتجزاً من العمل الرسمي وانعكاساته، مما يقلل من فرص قيام حركة شعبية مستقلة للدفاع عن حقوق الإنسان، أما إن قامت فسوف تتم محاربتها بكل الوسائل.
• هناك تصور سائد بتعارض مفاهيم حقوق الإنسان مع الشريعة الإسلامية. وهو تصور يقوم على أن الحريات المتاحة في تلك المفاهيم، سواء على المستويين العقائدي أو السلوكي تتناقض بشكل كامل مع الشريعة الإسلامية. وهو تصور ناقص وغير مطلع بحيثيات الاتفاقيات الدولية، وإمكانية اعتراض أي دولة على أي بند تعتقد بمخالفتها له وتثبيت ذلك في نص الاتفاقية. إضافة إلى كون حقوق الإنسان أساساً مفاهيم وليست عقيدة، بينما الشريعة الإسلامية عبارة عن عقيدة وأكثر شمولية من تلك المفاهيم. وأنه بالإمكان الاتفاق على الكثير من المبادئ التي تعززها وترسخها الشريعة الإسلامية.
ويلاحظ أن درجة تلك الإجراءات وقسوتها تخف كلّما برزت مكانة الدولة، وزادت ثقتها بنفسها، فلا تجد تلك الممارسات بشكل دائم ونمطي ومستمر، ولكن تحدث كردود أفعال وتحسباً لما قد تراه هذه الدولة أو تلك تهديداً لأمنها وسيادتها.
3) عدم الارتباط بالمنظومة الدولية لحقوق الإنسان:
تعاني الدول الخليجية فقراً ملحوظاً في الارتباط بالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مما يساعد على عدم مواكبة وتطور المسيرة الدولية في هذا المضمار، فمن الملاحظ أن معظم الدول الخليجية لم توقع إلا على ما ندر من تلك الاتفاقيات. ويبرر عدم التوقيع بمررات مختلفة، مثل أنها تمثل ثقافة غربية، أو أنها تعارض الشريعة الإسلامية وهكذا، ناهيك عن المنظور الخاص تجاه اتفاقيات حقوق المرأة. ويتضح تخوف دول الخليج من الانضمام لتلك الاتفاقيات مما أثير في فترة سابقة عن اعتزام منظمة العمل الدولية للضغط على دول الخليج في سبيل تحسين أوضاع العمالة الوافدة بموجب ما أقرته اتفاقية العمل الدولية، وهو أمر سيؤدي في مجمله إلى نتائج انقلابية على مستوى التركيبة السكانية الخليجية. ومن المفيد الإشارة إلى أن الكويت مستثناة من هذا الوضع حيث انضمت مؤخراً إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في 17/1/1994، كما انضمت إلى كل من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللاإنسانية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1996، كذلك قامت دولة الكويت بإجراء متقدم، حيث أقدمت على إلغاء قانون أمن الدولة ومحكمة أمن الدولة الأمر الذي ألغى المحاكم الاستثنائية في الكويت. وتتميز الكويت منذ استقلالها سنة 1961 بوجود دستور وبرلمان منتخب وصحافة حرة، كما لا يخفى الأثر الذي أحدثه الغزو العراقي ورغبة الكويت في الالتزام بالمعايير الدولية الإنسانية بعد تحريرها في الإسراع بتحقيق مثل هذه الإجراءات.
4) الجهل العام بالمفاهيم:
تعاني المجتمعات الخليجية جهلاً ملحوظاً في مفاهيم حقوق الإنسان وخلطها بشكل ملحوظ مع مفاهيم أخرى لا تمت لحقوق الإنسان بصلة، ويضاعف من هذا الأمر اختلال التركيبة السكانية بين المواطنين والوافدين مما يجعل الانتهاكات توجه بشكل عام ضد الوافدين. وينسحب ذلك الجهل بشكل ملحوظ على الكوادر الرسمية التي تعتبر كل تقرير يصدر في الخارج عن منظمة إنسانية ليس إلا مؤشراً لمؤامرة سياسية تستهدف البلد وأمنه وسيادته.
5) البعد الاجتماعي وحقوق الإنسان:
أدى تنامي وتزايد أعداد العمالة الوافدة، وبالذات عندما تصبح تلك العمالة تمثل أغلبية في المجتمع إلى خلق أوضاع خاصة بالمنطقة انعكست بشكل بارز على التوجهات العامة للدولة الخليجية، كما أضعفت من قدرتها على البناء الاستراتيجي التنموي الذي لا يمكن أن يقوم إلا على تنمية ذاتية أو تعتمد على الذات في مجمل المدخلات.
وعند التركيز على دول الخليج العربية الست، فإننا نجد ثلاثاً منها (قطر، الإمارات، الكويت) فاق عدد وافديها عدد مواطنيها، ومع أن الكويت على سبيل المثال قد تعرضت لعملية "تفريغ" من الوافدين إبان الغزو والاحتلال العراقي، مما منحها فرصة تاريخية لتعديل هيكل التركيبة السكانية لصالح زيادة نسبة المشاركة الوطنية في قوة العمل، إلا أن تلك التركيبة السكانية سرعان ما عادت مرة أخرى تتجه نحو الاختلال بالتدريج، ولم تنجح المحاولات الحثيثة التي تبذلها بعض الأجهزة الرسمية لرصد وتقنين هذه الظاهرة إلا لفترة زمنية محدودة جداً، وقد خلق هذا الوضع بشكل عام، وفي مجمل الدول الخليجية مضاعفات اجتماعية ومصاعب ظاهرة للعيان منها:
1. التأثير التربوي والنفسي والاجتماعي الناتج من الاعتماد على كم هائل من العمالة الآسيوية كخدم في المنازل، فهذه الآثار لا تقتصر فقط على الظاهرة، ولكن تنسحب بشكل تدريجي على المسلك التربوي للأطفال، وبالذات ما يتعلق من ذلك بأسلوب التعامل من قبل الأبوين مع الخدم وتعزيز النظرة الدونية للآخرين، وتدعيم نزعة الاستعلاء والاستخفاف بالآخرين وبالذات الآسيويين. وعندما ينشأ جيل على هذه المفاهيم، فإن نمط التعامل المستقبلي مع الآخرين لن يكون سوياً، وقد أطلق تربويون واجتماعيون وسياسيون العديد من صرخات التحذير، وكانت بعض الحكومات تستجيب بشكل أو بآخر مع هذه التحذيرات، إلا أنها سرعان ما تتباطأ في التنفيذ. كما يتضح تأثير خدم المنازل على الجانب اللغوي لدى الأطفال، وقد أوضحت أكثر من دراسة عمق ذلك، إما باستخدام الطفل لكلمات أجنبية غير مفهومة للتعبير عما يجول بخاطره، أو بالتحدث بلكنة عربية مكسَّرة كما يتحدث الخدم. وقد اتضح أيضا أن أثر الخادم في المنازل يعزز روح الاتكالية والتواكل والكسل والجهل بأبجديات الأمور المنزلية. ولا يقتصر هذا الأثر على الأطفال فحسب، ولكن ينسحب على الأبوين أيضاً. فقد يكون مقبولاً وجود الخدم في بيت أسرة عاملة (الأب والأم يعملان) ولكن الوضع السائد هو وجود الخدم بغض النظر عن عمل الأم أم لا.
2. يتضح أن معظم العمالة الوافدة هم من العزاب، مما يؤدي وعبر فترة زمنية معينة إلى إيجاد تكوين اجتماعي من نوع خاص، وبحاجة إلى دراسة أعمق، فالنمط الاجتماعي الخليجي بشكل عام يميل إلى عزل الأعزب من الحلقة الاجتماعية (فما بالنا بأعزب أجنبي)، مما يؤدي إلى خلق سلوكيات وأنماط خاصة بهذا التكوين تختلف تماماً عن السلوك الاجتماعي السائد، ومن الصعب التنبؤ بمضاعفاته حاضراً أو مستقبلاً.
3. أدى الدخول الكمي الكبير لأعداد من الوافدين للدول الخليجية، إلى خلق تجمعات بشرية كبيرة على هامش المجتمع القائم، لا تدخل في حسابه الاجتماعي، وليست من ضمن تركيبته السكانية "الفعلية" فهذه التجمعات البشرية، لا تشارك ضمن الأنشطة الاجتماعية للمجتمع ولها واقعها الاجتماعي الخاص الذي لا يرتبط بالواقع الاجتماعي للمجتمع ولا يشاركون في الغالب بنشاطه العام العلني كجمعيات النفع العام مثلاً وربما تحدث بعض الحالات أن يؤسس هؤلاء تكوينات خاصة لهم يمارسون من خلالها نشاطهم الاجتماعي. ولكن المؤكد أن "الاحتكاك" الاجتماعي يصبح شبه معدوم في مثل هذه الحالات. بل إنه في بعض حالات الأزمات الحادة التي تحدث في مجتمعاتهم (دولهم) قد يتم نقل تلك الأزمة والصراع إلى هذا المجتمع الخليجي أو ذاك، كما حدث على سبيل المثال خلال الأزمة التي نشبت في الهند على إثر قيام الهندوس بهدم مسجد بابري، وردة فعل المسلمين على ذلك، وانعكاس الأزمة على المسلمين وغير المسلمين الهنود في دول الخليج عموماً ودولة الإمارات على وجه الخصوص. إن وجود تجمعات بشرية بهذه الكثافة "الثقافية الاجتماعية" يشكل معضلة تنموية أمام أي متخذ قرار وعلى أي مستوى كان.

خَاتمة
لاشك أن علاقة المجتمع - أي مجتمع كان - بحقوق الإنسان ترتبط إلى درجة كبيرة بالمكونات الثقافية لذلك المجتمع، ونمطه الإنتاجي ومستواه الاقتصادي، وطبيعة تطور السلطة. وقد مر منظور وفهم حقوق الإنسان، في المسيرة البشرية عبر حقب متعددة مثَّلت في مجملها أنماط صراع عامة بين مفاهيم الشر والخير، وعندما بدأت الدولة الحديثة بالظهور بعد تفكك وسقوط الإمبراطوريات وبدأ مفهوم المواطن يترسخ بشكل أوضح، صار بالإمكان تحديد الجهة الأساسية المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة وأنها تزعم احتكارها للقوة في المجتمع ألا وهي الدولة أو الحكومة.
وقد عزز النموذج الغربي الليبرالي مفاهيم عديدة لحقوق الإنسان كانت مؤشراً إلى حالة من التقاطب الفكري الغربي، والذي تَمثَّل بقيام صراع بين فريقين يمثل أحدهما المعسكر الإنساني ويمثل الآخر المعسكر النفعي البراجماتي. وقد صبغ هذا الصراع طبيعة ومكونات الرؤية الغربية المتناقضة لحقوق الإنسان. وحيث إن المعسكر النفعي البراجماتي عادة ما يكون أقوى، فإن كفة القرار بصورة عامة في الغرب تميل لها. ويتضح أن نهاية حقبة الحرب الباردة قد فتحت أبواب هذا الصراع على مصراعيه، عاكسة ذلك التوجه على الأوضاع الدولية في الفترة الراهنة. كما انعكست أيضاً بشكل ملحوظ على دول العالم الثالث بصورة عامة وعلى الرؤى العربية بصورة خاصة.
وقد أدت الازدواجية الغربية الجديدة تجاه حقوق الإنسان إلى تصاعد نبرة دول العالم الثالث ضد مفاهيم حقوق الإنسان وآليتها انطلاقا من كونها "غربية" وخصوصية تلك المجتمعات.
وقد عانت الثقافة العربية بشكل عام في مراحل تطورها المختلفة من مكونات ثقافية ساهمت إلى حد بعيد في تقليص فرص تثبيت وترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان، وقد زاد هذا الوضع المأساوي رسوخاً مع بروز الدولة العربية الحديثة بكل ما زرعته من تشرذم وقسوة، في ضم المواطن لمفهومها الخاص بالأمن والسيادة الوطنية.
وكجناح ثقافي فرعي من الثقافة العربية برزت دول الخليج ومجتمعاتها بصيغتها الحديثة ضمن منظور خاص أكثر تركزاً في فهمه لحقوق الإنسان، وبالذات بسبب الأوضاع الشاذة للتركيبة السكانية في الخليج عموماً.

المصادر
• Samuel Huntington, The West and the Rest, Pro-spect, February 1997pp 34-38
• د. محمود شريف بسيوني وآخرون، حقوق الإنسان - المجلد الثاني - دراسات حول الوثائق العالمية والإقليمية، دار العلم للملايين 1989.
• Nigel Rodley (ed.) To Loose The Bands Of Wicked-ness, International Intervention in Defence of Human Rights, Brassey,s 1992
• Jack Donnelly, International Human Rights., West-view Press 1993
• Olwen Huften (ed.) Historical Change and Human Rights, Basic Books 1995
• Ann Elizabeth Mayer, Islam And Human Rights Tradition and Politics, Westview Press .1991
• محمد أمين الميداني، المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة، المجلة العربية لحقوق الإنسان، عدد 3 سبتمبر 1996.
• Nadia Lachinsky, The European Committee For The Prevention of Torture, Netherlands Quaerterly of Human Rights, vo19 1991. pp .394 - 384
• Human Rights and Diplomcy, The Economist, April .12 ,1997
• Augustus Richard Norton, Civil Society in the Middl East (vol 1), Brill .1995
• Aryeh Neier, The New Double Standard, Foreign Policy, number 105, Winter .1997 - 1996
• .Jeffrey Garten, Comment: The Need for Pragmatism Foreign Policy, number 105, winter .1997 - 1996 Interights Bulletin. vol. no .2.1996
• Jelena Pajic. Establishing a Permanent International Criminal Court: Moving Forward, Interights Bulle- tin,volume 10 No .3.1996

دعماً لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل أطلقت وزارة حقوق الإنسان:

 ــ وثيقة رقم (1) حقوق الإنسان في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل:عبارة عن دراسة تحليلية تُبرزُ بشكلٍ خاص وَمُركز سياق حقوق الإنسان ضمن القرارات النهائية لمؤتمر الحوار الوطني ـ في إطارٍ يُمكن الإستناد اليه كمرجعية لمضامين حقوق الإنسان بأطرها المؤسسية وَالقانونية والقضايا والإتجاهات العامة في سياق نصوص مخرجات الحوار وَالفئات ذات الإرتباط وَمكون الشراكة مع مختلف القطاعات الفاعلة في المجتمع، كما تُقدم الوثيقة رؤية لأولويات الحقوق وَالحريات في الإطار الدستوري المرتقب. 

 ــ وثيقة رقم (2) الإطار الدستوري للحقوق وَالحريات: عبارة عن تصور نوعي لإطار حقوق الإنسان وَالحريات العامة ويتضمن الإطار المقترح مجموعة الحقوق الأساسية لمختلف الفئات ووسائل وضمانات إحترامها وتعزيزها وقد تم تخصيص هذا الإصدار في إطار الدعم الفني للجنة صياغة الدستور. إقرأ المزيد

 النسخة العربية

 النسخة العربية 

 English version  English version

 

 

سجل في نشرتنا البريدية، وكن أول من تصله آخر الأخبار
الجمهورية اليمنية - وزارة حقوق الإنسان
جميع الحقوق من صور و نصوص و مواد خبرية محفوظة لوزارة حقوق الإنسان © 2013